الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله الطيبين.
أما بعد فقد روينا في مسند الامام احمد([1]) رضي الله عنه وفي سنن أبي داود([2]) وغيرهما عن ابن الديلمي قال اتيت ابي بن كعب فقلت يا ابا المنذر انه حدث في نفسي شيء من هذا القدر فحدثني لعل الله ينفعني قال ان الله لو عذب اهل ارضه وسمواته لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من اعمالهم ولو انفقت مثل احد ذهبا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما اصابك لم يكن ليخطئك وما اخطاك لم يكن ليصيبك ولو مت على غير هذا دخلت النار اهـ قال ثم اتيت عبد الله بن مسعود فحدثني مثل ذلك قال ثم اتيت حذيفة بن اليمان فحدثني مثل ذلك ثم اتيت زيد بن ثابت فحدثني مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم اهـ.
هذا الحديث يعد من الاحاديث التي تكون حجة لاثبات القدر. معنى القدر ان الله دبر في الازل كل شيء يدخل في الوجود على حسب علمه الازلي فكل ما دخل في الوجود من اشياء عينية واعمال للعباد اي حركاتهم وسكونهم وعقد نواياهم في نفوسهم وكل ما يحصل من نفع او ضر او فرح او حزن او راحة او تعب او صحة او سقم او نشاط او فتور وغير ذلك انما وجد بعلم الله ومشيئته وتقديره وانه هو يخلق ذلك كله وان الله تعالى هو يقدر العباد على اعمالهم فلولا اقداره تعالى لهم ما استطاعوا ان يعملوا شيئا من اعمالهم ومن اقدره الله تعالى ووفقه لفعل الحسنات فذلك من فضل الله ومن يسره الله تعالى لغير ذلك من الشر فبخذلان الله تعالى للعبد وذلك عدل من الله ليس ظلما فمن لم يؤمن بالقدر لا يقبل الله تعالى له حسنة مهما عمل وتعب فما كان من اعمال الانسان عمدا فهو بقدر الله وما كان خطا غير عمد فهو بقدر ايضا فلا يجوز ان يقال كما يقول بعض الجاهلين ان ما حصل خطا من غير عمد قضاء وقدر واما ما حصل عمدا فلا يقال بقضاء وقدر بل كل ما يعمله الانسان عمدا او خطا فهو بقدر الله تعالى. فما كان من عمل الانسان عمدا الله قدر ان يعمله هذا الانسان باختياره اي باختيار العبد وما كان من عمل الانسان بغير عمد فالله تعالى قدر في الازل ان يعمله العبد بغير اختيار فاذا كل مقدر. العمل الذي نعمله عمدا والعمل الذي نعمله خطا بلا عمد كل بقدر الله لان الله تعالى قدر في الازل ان هذا الانسان سيعمل كذا باختياره فيكون ذلك عمدا وقدر ان هذا الانسان يعمل كذا بغير اختياره فكل بقدر الله تعالى وكل بخلق الله تعالى فاذا تكلم الواحد منا عمدا بكلام او نظر الى شيء عمدا او مد يده الى شيء قصدا فهو بقدر الله واختيار العبد والله تعالى هو الذي يخلق هذه الحركة هذا النظر الله تعالى هو الذي يخلقه لسنا نحن نخلقه وهذا التناول باليد الله تعالى هو الذي يخلقه وان كان للعبد فيه اختيار فهو بخلق الله تعالى فالعمل الذي يعمله الانسان باختياره فهو بخلق الله والعمل الذي يعمله الانسان بغير اختياره فهو بخلق الله.
اذا الانسان لا يخلق شيئا انما الانسان يكتسب ومعنى يكتسب انه يوجه ارادته نحو العمل والله تعالى يخلق ذلك العمل فاذا اراد انسان ان يتكلم بكلام فتكلم فالله تعالى هو الذي خلق هذا الكلام في هذا الانسان ولولا ان الله تعالى خلق فيه هذا الكلام واقدره على ان يتكلم ما استطاع ان يتكلم وهذا الذي يدل عليه قول الله تعالى في صفة الكفار يوم القيامة وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا انطقنا الله الذي انطق كل شيء([3]) الكفار في حال من الاحوال يوم القيامة يختم الله على افواههم لانهم كانوا انكروا الكفر الذي كفروه جحدوا كانه يخفى عليهم هناك من شدة اضطرابهم انكروا قالوا ما اشركنا الله تعالى ختم على افواههم اي منعها من الكلام اعجزها وانطق جلودهم فتتكلم ارجلهم بما عملوا وايديهم تتكلم وتشهد عليهم بما عملوا اما السنتهم في ذلك الوقت لا تتكلم الله جعل قوة الكلام في جلودهم في ايديهم وارجلهم قال الله تعالى في سورة فصلت قالوا انطقنا الله الذي انطق كل شيء هذا دليل على ان الله هو الذي يخلق الكلام الذي نتكلم به عمدا فكيف الكلام الذي نتكلم به خطا بغير ارادة كيف لا يكون بخلق الله تعالى كل بخلق الله تعالى الكلام الذي نتكلم به عمدا الله تعالى هو الذي يخلقه فينا والكلام الذي يجري على السنتنا بدون ارادة فالله تعالى هو الذي يخلقه فينا كل بخلق الله تعالى لكن الله تبارك وتعالى يجزي الانسان بالثواب الجزيل ان تكلم بخير والعبد ما تكلم الا بقدرة الله الا بمشيئة الله فالله تعالى يعطيه الاجر فضلا منه وان تكلم بشر بكفر او بمعصية يعاقبه في الاخرة وهذا العقاب عدل من الله تعالى ليس ظلما.
الله تعالى هو الذي خلق فينا الكلام والحركة وسائر الاعمال اي جميع الاعمال التي نعملها الله سبحانه وتعالى خلقها فينا مع ذلك هو الله تبارك وتعالى له ان يعاقب هؤلاء العبيد على معاصيهم في الاخرة وان كان هو الذي خلق فيهم هذا الكلام الله تبارك وتعالى له ان يعاقب هذا العبد في الاخرة على هذا الكلام السيئ الذي هو كفر او معصية وعلى هذه الحركة التي هي من المعصية او من الكفر له ان يعاقب هذا العبد وان كان العبد لا يخلق شيئا انما الله تعالى يخلق فيه حركاته وسكونه حتى نوايا القلوب الله تعالى هو الذي يخلقها.
الله تعالى هو الذي يقلب القلب والقلب اسرع تقلبا من اللسان مع ان اللسان سريع التقلب لكن القلب اسرع تقلبا فالله تعالى هو الذي يخلق فينا كل ذلك كل ما نتكلم به ان كان عن عمد وان كان عن غير عمد وكل ما ننويه من النوايا فالله تعالى هو الذي يخلقها فينا مع ذلك له ان يعاقب من عصى اي من خالف الامر له ان يعاقب لانه بعث الانبياء والرسل فعلم الانبياء والرسل عباد الله ماذا يحب الله ماذا فرض الله على عباده ماذا حرم الله على عباده علموا بعد ذلك الانسان الذي خالف تعاليم الانبياء فقد استحق العذاب في الاخرة الله نهانا عن كل المعاصي مع ذلك فان حصلت منا معصية فالله تعالى هو خالقها فينا ومع ذلك له ان يعذبنا على معاصينا.
في اللوح المحفوظ كان مكتوبا ان هذا الانسان يعصي اي وكان مكتوبا كل حسنة تحصل منا وكل سيئة تحصل منا مكتوب في اللوح المحفوظ قبل ان نخلق باكثر من خمسين الف سنة اي على اننا نعملها باختيارنا ما كان من اعمالنا الاختيارية كتب اننا نعملها باختيارنا وما نعمله بغير اختيارنا كذلك كتب انه يحصل منا بغير اختيارنا.
الله تعالى يامر بالخير ولا يامر بالشر لكنه هو الذي قدر الخير والشر فما كان من اعمالنا التي نعملها باختيارنا الله تعالى قدر انها تكون باختيارنا انها تكون منا باختيارنا اي اننا نعملها باختيارنا وما كان بغير اختيارنا الله قدر انها تكون منا بغير اختيارنا واختيارنا ممزوج بجبر ليس اختيارا محضا اختيار فيه جبر ممزوج بجبر لانه حتى هذا الاختيار الله خلقه.
العبد مظهر لجريان تقادير الله تعالى فالعبد له اختيار ممزوج بجبر الحركة التي يتحركها الانسان قصدا والحركة التي يتحركها المرتعش الذي اصابته الرعشة الا نجد فرقا بين هذه وهذه هذا الاختيار الذي لنا. من تحرك بارادة فهو بقدر الله ومن تحرك بدون ارادة فهو بقدر الله الواحد منا كما انه لا يستطيع ان يزيد في جسمه عضوا واحدا غير الذي خلقه الله تعالى كذلك لا يستطيع احد منا ان يتكلم او يتحرك او ينظر او يطرف بدون مشيئة الله وبدون خلقه والدليل على ذلك من شاهد العيان ان الواحد منا لما يتكلم ببعض الحروف يتكلم بها من شفتيه تخرج من الشفتين بحيث اذا لم يطبق الشفتين لا تخرج هذه الحروف وبعض الحروف ننطق بها من الحلق ليس من الشفتين الواحد منا لا يستطيع ان يخرج الحرف الذي جعله الله يخرج من الشفتين ان يخرجه من الحلق وكذلك العكس لا يستطيع من يستطيع ان يتكلم بالباء وهو فاتح شفتيه من غير ان تنطبق من غير اطباقهما لا يستطيع احد منا ان ينطق بالباء كذلك العكس حرف الحاء لا تطلع الا من الحلق فاذا واحد منا اطبق شفتيه اطباقا لا تخرج الحاء الا بفتحهما هذا الدليل على ان الانسان لا يعمل شيئا الا بخلق الله وقدره.
الانسان اذا يسره الله تعالى في هذه الحياة لعمل الخير اي للايمان والطاعات وتجنب المعاصي ومات على ذلك فهذا بفضل الله تعالى الله تعالى تفضل وتكرم عليه بهذه النعم فلله الفضل والمنة على هذا العبد الله تعالى هو الذي له المنة عليه العبد ليس له على الله منة ماذا يدعي على الله هو خلق جسمه هو خلق كل ما فيه العين واليد وحاسة السمع وحاسة اللمس وحاسة الشم الى غير ذلك ثم هو الذي مكنه من المشي ومكنه من النطق بالخير ومكنه من تناول عمل الخير هو الذي يسر عمل البر والاحسان لهذا العبد فالعبد ليس له على الله منة بل الله هو الذي له منة على العبد فالانبياء الذين هم افضل خلق الله ليس لهم على الله منة بل المنة لله عليهم كذلك الملائكة الذين منه خلقوا في طاعة الله تعالى لا يفترون عن ذكر الله لا نوم يشغلهم عن طاعة الله ولا اكل ولا شرب حتى هؤلاء الله تعالى له المنه عليهم مع ان الواحد منهم مضى له من العمر ما يعلم الله من الاف السنين.
اما من يسره الله للكفر والمعاصي فلا يلومن الا نفسه الله تعالى هو خلق فيهم هذا الكفر وهذه المعاصي والعبد له فيه اختيار لكنه اختيار ممزوج بجبر له في ذلك والله تعالى لا يكون ظالما اذا عذب هذا العبد في الاخرة على كفره ومعاصيه لا يكون ظالما.
ثم هذا الكافر اذا عذبه الله تعالى في الاخرة بالعذاب الاليم فهو مستحق لهذا والله تعالى عدل في ذلك لا يلحقه ظلم اذا عذب هذا الكافر على كفره الذي هو خلقه فيه وعذب العصاة من شاء من عصاة المسلمين من شاء ان يعذبهم على هذه المعاصي التي عملوها بخلق الله ومشيئته وقدره فالله تعالى لا يكون ظالما لانه حاكم ليس له امر ولا ناه هو الامر وهو الناهي لا ناهي فوقه ولا امر فوقه.
نحن العباد لولا ان الله تعالى امر ونهى ما كان علينا عقاب على اي عمل نعمله لكنه سبحانه وتعالى امرنا على السنة الانبياء الانبياء ابلغونا ان الله امركم بكذا افعلوا كذا افعلوا كذا افعلوا كذا ونهاكم عن كذا لا تفعلوا كذا لا تفعلوا كذا لا تشركوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق ولا تظلموا لولا ذلك ما كان علينا سؤال في الاخرة لكن الله تبارك وتعالى بعث الرسول والانبياء فابلغونا فانقطع العذر عنا ليس لنا عذر.
الله تعالى هو خالقنا وخالق ما فينا ليس له شريك في ذلك هو خالق حركاتنا وسكناتنا ليس له شريك في ذلك فعال لما يريد فالذي لا يؤمن بهذا بل يعتقد خلافه فقد ضاع عمره مهما عمل من الاحسان الى الناس في هذه الحياة ومهما قدم من العطف على المساكين والفقراء والارامل والايتام فانه ليس له ذرة من الثواب في الاخرة لانه ما امن بالقدر اليس قال الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الذي سبق ذكره ولو مت على غير ذلك دخلت النار اهـ ومذكور في هذا الحديث لو انفقت مثل احد ذهبا في سبيل الله ما قبله الله منك اهـ.
من لم يؤمن بالقدر لو كان يتصدق بمثل جبل احد الذي في المدينة من الذهب للجهاد في سبيل الله لو عبأ الجيوش وامدهم بهذا المال الكثير لا يقبل الله منه شيئا وليس له عند الله ذرة من الحسنات.
الايمان بالقدر يتبع الايمان بالله تعالى فمن اعترف ان الله تعالى موجود وانه لا يشبه شيئا لكن اعتقد خلاف الايمان بالقدر فانه لا ينفعه عمل عمله في الدنيا لا ينفعه عمل من الاعمال وكل اعماله هباء منثور.
ثم الله تبارك وتعالى اخبر في كتابه الذي انزله على نبيه وفي الكتب التي انزلها على انبيائه قبل نبينا محمد اخبر ان الانسان عليه ان يعمل ما امر به على السنة الانبياء وينتهي عما نهي عنه على السنة الانبياء.
ومن جملة ما نهي عنه على السنة الانبياء انه لا يضر المرء نفسه الله تعالى قال في القران الكريم ولا تقتلوا انفسكم([4]) ومعناه تجنبوا الاسباب التي يكون فيها عادة العطب والهلاك تجنبوها بعد ان اخبرنا ان كل شيء يدخل في الوجود فهو بمشيئة الله وخلقه وانه لا يقع شيء الا بخلقه وتقديره امرنا بتوقي المهالك معناه انتم اسعوا في الاسباب ويكون ما قدرت ويتنفذ ما قدرت الانسان لما يخرج لحاجته صباحا الى خارج منزله ماذا يعتقد ان كان مؤمنا يعتقد ان كان مؤمنا ان كان كتب لي وقدر الله تعالى في الازل اني في سعيي هذا يصيبني كذا وكذا من الخير مما ينفعني فلا بد ان يحصل وان لم يقدر لي الله تعالى في الازل ان انال خيرا في ذهابي هذا لا انال شيئا على هذا الاعتقاد يكون خروجه من منزله ان كان مؤمنا فالله تعالى امرنا بالايمان بالقدر وامرنا بالسعي بتحصيل المصالح الدينية وما لا نستغني عنه من المصالح الدنيوية ايضا امرنا بالامرين فعلينا ان نمتثل.
ثم الله تبارك وتعالى جعل علم الانسان علما محدودا ما اعطى للانسان علما مطلقا ليس له حد ولا نهاية حتى الانبياء ما اعطاهم العلم بكل شيء وكذلك الملائكة ما اعطاهم العلم بكل شيء فالشيء الذي وجد وحصل علمنا انه حصل بمشيئة الله وتقديره واما الشيء الذي لم يحصل فما اخبر الله تعالى في كتابه بانه سيصير نؤمن بانه سيصير ولو لم يصر بعد نؤمن بانه لا بد ان يصير انتهى.
والله سبحانه وتعالى اعلم واحكم.
[1]) رواه احمد في مسنده باب حديث زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
[2]) رواه ابو داود في سننه باب في القدر.
[3]) سورة فصلت الاية 21.
[4]) سورة النساء الاية 29.