الأربعاء يناير 28, 2026

الرد العلمي على ضلالات محمد راتب النابلسي-4

حادثة غريبة:
اجتمع معتزلي ومجوسي في سفينة فقال المعتزلي للمجوسي: لم لا تسلم؟ فقال المجوسي: الله ما شاء لي، فقال المعتزلي: إن الله شاء لك ولكن الشيطان منعك، فقال المجوسي: إذا أنا مع الغالب، فانقطع المعتزلي.
وهذا يظهر صحة كلامنا، وذلك أن القائل بأن مشيئة الله لا تنفذ بل تنفذ مشيئة غيره يكون قد نسب العجز والمغلوبية لله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

فإن قيل: كيف يأمر الله (1) بما لم يشأه؟
قلنا: قد يأمر بما لم يشأ كما أنه علم بوقوع شىء من العبد ونهاه عن فعله، فكذلك يأمر بشىء علم وشاء أن لا يحصل. فالمشيئة تابعة للعلم لا للأمر، أي ليس كل ما أمر الله به أراد وجوده، لكن ما علم الله وجوده أراد وجوده.

مفهوم (2) اعوجاجي للنابلسي لهذه الآية (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شىء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148)) الأنعام 148، وتكفيره لمن يقول: لا تعترض بتنطرد [الله بالي] الله ما كتبلو الهداية، الله عاترو. وأن هذا الكلام يتعارض مع القرآن الكريم (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر (29)) الكهف 29.

وليس للعبد أن يحتج بمشيئة الله تعالى ليجعل نفسه معذورا في الكفر، لأن الكافر اختار الكفر وهو لا يعلم ماذا شاء الله له قبل أن يفعله، فيعاقب على اختياره.

وهذا ما رد به الله تعالى على الكفار الذين احتجوا على كفرهم بمشيئة الله كما يدل على ذلك سياق الآيات، قال تعالى (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شىء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148) قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين (149)) الأنعام 148-149.

فانظر كيف أن المشركين لما أنكر عليهم كفرهم وشركهم، قالوا (نحن ما أشركنا إلا لأن الله شاء لنا الشرك، فلو شاء الله ما أشركنا فنحن معذورون) فأخبر الله نبيه عليه الصلاة والسلام أن كفار الأمم السابقة تشبثوا بمثل هذا فكذبوا رسلهم، فلم ينفعهم ذلك لأنهم جعلوا مشيئة الله حجة لهم على أنهم معذورون وهذا باطل مردود لأنهم اختاروا الكفر وهم لا علم لهم بما أراد الله تعالى منهم قبل الفعل.
ولم يكذبهم الله في أنه لو لم يشأ لهم الشرك لما أشركوا بدليل أنه قال بعد ذلك (قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين (149)) الأنعام 149، فأخبر أن الحجة له سبحانه وأنه ليس للعباد على الله حجة بمشيئته، وأنه لو شاء منهم الهدى لآمن كلهم ولكن لم يشأ من الكل الإيمان بل شاء من البعض الإيمان ومن البعض الكفر.

ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى (قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148)) الأنعام 148، أي من أين لكم أن تحتجوا بمشيئة الله وأنتم لا تعلمون ما شاء الله لكم قبل أن تفعلوا وتختاروا الكفر.

(1) أمر الله إبراهيم بذبح ولده إسماعيل ولم يشأ حصول ذلك إنما فدي بكبش من الجنة.
(2) عنوان المحاضرة على اليوتيوب (القضاء والقدر) يقول ذلك عند الدقيقة 4:15.