ثبوت رمضان برؤية الهلال عيانيا لا بولادته حسابيا
يقول الله تعالى (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه) البقرة 185، لقد أكرمنا رب العزة بأن جعل لنا من بين سائر الشهور شهرا نقضي بياض نهاره في عبادة عظيمة ذات حكم سامية وثواب جزيل فلا بد أن نستقبل الصيام مقبلين على هذه الطاعة العظيمة بكل همة وعزم وحماس ولا بد لنا أن نشمر عن سواعد الجد لنيل الحسنات والخيرات.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن وغلقت أبواب النيران فلم يفتح منها باب وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين) رواه البخاري ومسلم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من صام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه أحمد في مسنده ومتفق عليه البخاري ومسلم والأربعة أبو داود، الترمذي، النسائي، ابن ماجه عن أبي هريرة.
إن صيام رمضان عبادة عظيمة من أفضل الطاعات وأجل القربات وأحد أهم أمور الإسلام، وقد اتفق علماء المذاهب الأربعة وغيرهم على أن الأصل في تحديد أول رمضان هو التالي يراقب الهلال بعد غروب شمس التاسع والعشرين من شعبان فإن رئي الهلال كان اليوم التالي أول رمضان، وإن لم ير الهلال يكون اليوم التالي الثلاثين من شعبان والذي بعده هو أول أيام رمضان، على هذا درج المسلمون في كل بلاد الدنيا من أيام الصحابة الكرام، وبذلك أفتى الفقهاء ونصوا أن العمدة على هذا وأنه لا التفات إلى أقوال أهل الحساب والفلكيين ولا عبرة بكلامهم لتحديد ابتداء الصيام أو انتهائه، فقد قال الله تعالى (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) والأهلة جمع هلال وهو أول حال القمر حين يراه الناس أول ليلة من الشهر (قل هي مواقيت للناس) جمع ميقات، والمعنى ليعلم الناس أوقات حجهم وصومهم وإفطارهم وعدة نسائهم وغير ذلك من الأحكام المتعلقة بالأهلة، لذا قال الفقهاء يجب وجوبا كفائيا ترائي الهلال لكل شهر، وقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (جعل الله الأهلة مواقيت للناس فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما) وفي رواية (فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين).
وروى الإمام مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له) قال أبو الوليد سليمان بن خلف القرطبي الباجي الأندلسي رحمه الله (ولا يقبل في هلال شوال أقل من شاهدين، وقال أبو ثور (وقبله الشافعي) يقبل في ذلك (الشاهد) الواحد، والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور أن هذه شهادة فلم يقبل فيها أقل من اثنين أصل ذلك سائر الحقوق).
وقوله (فإن غم عليكم فاقدروا له) يريد منعكم من رؤيته سحاب أو غيره، من قولهم غممت الشيء إذا سترته، فاقدروا له يريد قدروا للشهر، وتقديره إتمام الشهر الذي أنت فيه ثلاثين لأن الشهر إنما يكون تسعة وعشرين يوما بالرؤية فأما بالتقدير فلا يكون إلا ثلاثين).
ثم قال رحمه الله (إن من خالف في ذلك فالإجماع حجة عليه، وإن من يصوم ويفطر على الحساب فإنه لا يقتدى به ولا يتبع، فإن فعل ذلك أحد فإنه لا يعتد بما صام منه على الحساب ويرجع إلى الرؤية وإكمال العدد، فإن اقتضى ذلك قضاء شيء من صومه قضاه).
وفي حاشية ابن عابدين في المذهب الحنفي (لا عبرة بقول المؤقتين أي في وجوب الصوم على الناس بل في المعراج لا يعتبر قولهم بالإجماع). اهـ
وفي الدر الثمين والمورد المعين في المذهب المالكي (ولو كان إمام يرى الحساب فأثبت به الهلال لم يتبع لإجماع السلف على خلافه). اهـ
وفي فتاوى الرملي في المذهب الشافعي (إن الشارع لم يعتمد الحساب بل ألغاه بالكلية بقوله نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا). اهـ
وفي كتاب المغني في المذهب الحنبلي (إن بنى على قول المنجمين وأهل الحساب فوافق الصواب لم يصح صومه وإن كثرت إصابتهم لأنه ليس بدليل شرعي يجوز البناء عليه ولا العمل به). اهـ
فنصيحتنا لكل مسلم أن يتمسك بما قاله فقهاء المذاهب الأربعة الذين أجمعت الأمة على علو شأنهم وأن لا يلتفت إلى القصاصين الذين يحكمون بغير ما أنزل الله على نبيه، فيثبتون رمضان وعيد الفطر على الحساب والفلك، وأما في عيد الأضحى فيكتفون بمتابعة الدول الإسلامية، فقد روى أحمد والطبراني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون) فطوبى لمن تمسك بجماعة المسلمين وجمهورهم وكلام نبيهم، والندامة يوم القيامة لمن اتبع غير سبيل المؤمنين وشذ عن منهاجهم، ونقول لهؤلاء الذين يأخذون بالحساب الفلكي بدعوى التطور:
شرع محمد صلى الله عليه وسلم يعمل به إلى يوم القيامة ولو زادت الاكتشافات والتطورات، ونقول لهم لقد حصلنا من أكبر مراكز الرصد الجامعية المشهورة في أمريكا وبريطانيا وأستراليا وفرنسا والسعودية وغيرهم، وبعض هؤلاء من كبار خبراء وكالة الفضاء الأمريكية NASA على رسائل فيها أن تحديد وقت ولادة القمر ممكن بدقة ولكن لا يمكن تحديد وقت رؤيته أول مرة، وأن الذين ينادون باستخدام الحساب ونفي الرؤية هم من الهواة وليسوا من أهل التخصص العلمي.
وكما تعلمون فإن الشرع الحنيف لم يعلق وجوب الصيام على مجرد وجود القمر، بل ربط تلك العبادة الكريمة بحقيقة الرؤية العيانية للقمر، حتى إذا لم ير الهلال وجب اللجوء إلى قطع الشك باليقين باستكمال شعبان ثلاثين يوما بنص الحديث الشريف المعروف (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما) بخلاف المواقيت في باب الصلاة، فقد علق الوجوب على وجود سببها وبهذا يظهر الفرق بين الصلاة والصيام في هذا.
ونسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
فائدة مهمة:
قال الشيخ محمد عليش في فتح العلي المالك نقلا عن القرافي (قال والفرق ها هنا وهو عمدة السلف والخلف أن الله تبارك وتعالى نصب زوال الشمس سببا لوجوب الظهر وكذلك بقية الأوقات فمن علم سببا بأي طريق لزمه حكمه فلذلك اعتبر الحساب المفيد للقطع وأما الأهلة فلم يجعل خروجها من شعاع الشمس سببا للصوم بل نصب رؤية الهلال خارجا عن شعاع الشمس هو السبب فإذا لم تحصل الرؤية لم يحصل السبب الشرعي ولا يثبت الحكم ويدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم (صوموا لرؤيته (الهلال) وأفطروا لرؤيته) ولم يقل لخروجه عن شعاع الشمس كما قال تعالى في الصلاة (أقم الصلاة لدلوك الشمس) أي لميلها). اهـ