الإثنين مارس 2, 2026

تَوْحيدُ الله في الفِعْل:

توحيدُ الله في الفِعْل معناهُ أنْ يعتقدَ المَرْءُ أنّ الله تعالى يفعلُ فِعْلا بقدرتِه الأزلِيّة بلا جارِحَة أي بلا عُضْو ولا حركة ولا ءالة ولا مُباشَرة ولا مُماسَّة لِشىْء أي مِنْ غَيْر مَسّ، الله لا يَمَسّ ولا يُمَسّ خلقَ العالَمَ من غَيْر مُباشَرة ليس مِثْلَ العِباد، العِبادُ إذا أرادوا أنْ يَعْملوا شيئا يُمْسِكون الشىْءَ بأيْدِيهم يَتَحَرّكون نَحْوَه ويُمْسِكونَه بأيْدِيهم أو يُمْسِكونَ الآلةَ ثم الآلة تَتّصِلُ بذلك الشىْء الذي يَعْملونه، أمّا الله تعالى فليسَ هكذا. فالله تعالى واحِد في فِعْلِه أي أنّه يفعلُ بمَعْنى الإخْراجِ مِنَ العَدَم إلى الوُجود، ولا فاعِلَ على هذا الوَجْهِ إلاّ الله، خلقَ العالَمَ وأحْدثَهُ مِن غَيْرِ أنْ يكونَ لهُ احْتِياجٌ إليهِ لِجَلْب مَنْفعة أو دَفْعِ مَضّرة عَنْ نَفْسِه، إنّما خَلَقه إظْهارًا لِقدرته. فالله تعالى هو الخالِق الذي أبْرَزَ جميعَ الكائِناتِ مِنَ الْعَدَمِ إلى الوُجود، ولا خَلْقَ بهذا المعنى إلا لِلّه، فما سِوى الله حدثَ بخَلْقِه تعالى وتكْوينِه، قال الله تعالى “قلِ الله خالِق كُلِّ شَىْء” وقال “والله خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلون” فالآيتان صريحتان في أنّ الله هو خالِق الأجْسام والأعْمال لأنّ لفظَ الشَىْء يَشْمَلُ الجسْمَ والأعْمال، فكُلُّ ما دخلَ في الوُجود من الأعْيان وهي الأشْياءُ التي لها حَجْمٌ إنْ كانتْ صغيرة كالذرّة أو أصْغرَ منها كالجُزْء الذي لا يَتَجَزّأ لِكَوْنِه في مُنْتهى القِلّة أو كبيرة كالعَرْش الذي هو أكبرُ المخلوقات حَجْمًا وأوْسَعُها مِساحة، وأعْمالُ العِبادِ كذلك حركاتهم وسكناتهم وأفكارُهم ونواياهُم وعُلومُهم وخواطِرُهم التي تَطْرَأ عليهم بدون إرادتِهم ونظرُهم الله تعالى هو خَلَقَها فيهم، أما العِبادُ فلا يَخْلقون شَيْئا وليسَ الأمْرُ كما تقولُ المُعْتَزِلَة وحِزبُ التحرير بأنّ العبدَ يَخْلُق أفْعالَه الاخْتِيارِيّةَ أي يُحْدِثها من العَدَم إلى الوُجود وكلامُهم هذا كُفْر قَطْعًا لأنّه تَكْذيبٌ لِقَوْلِ الله “هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ الله” أي لا خالِقَ إلاّ الله. ويَكْفي في إبْطال قولِهم ءايتان من كتاب الله الأولى قولُه تعالى: “قلْ إنّ صلاتي ونُسُكي ومَحْيايَ ومَماتي لِلّهِ ربِّ العالَمين لا شريك له” أي قلْ يا محمّد إنّ صلاتي ونسُكي ومَحْيايَ ومَماتي مخلوق لِلّهِ لا شريك له في ذلك، ذكر الله الصلاةَ والنسُك وهما من الأفْعالِ الاخْتِيارِيّة وجَعَلَها خَلْقا له لا شريك له في ذلك. والآية الثانية: “وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولكنّ الله رمى” فنفى الله الرّمْيَ من جهة الخَلْق عن الرسول أي أنتَ ما خَلَقْتَ ذلك الرمْيَ يا محمّد وأثْبَتَهُ له مِن جهةِ الاكْتِساب أي الرسولُ وَجَّهَ إرادتَه نحو ذلك الفِعْل والله أبْرَزَه من العَدَم إلى الوُجود فقد اجْتَمعَ النَفْيُ والاثْبات في الآية لكنْ مِن جهَتَيْن، وعلى قول التحريريّة تكون الآية جَمَعَتِ النَفْيَ والإثْباتَ مِن جهة واحدة وذلك باطل مُحالٌ كقول القائِل: قام زيد لم يقم زيد.