الثلاثاء فبراير 10, 2026

(تقسيم الأمور إلى أربعة)

   مما يناسب ما تقدم ويزيد فى إيضاحه أن يقال (الأمور على أربعة أقسام) القسم (الأول شىء شاءه الله) أى شاء حصوله (وأمر به) أى أمر بفعله (وهو إيمان المؤمنين وطاعة الطائعين و)القسم (الثانى شىء شاءه الله ولم يأمر به وهو عصيان العصاة وكفر الكافرين) وغير ذلك من الأمور التى تحصل فى هذا العالم مما لم يأمر الله العباد بفعلها لا وجوبا ولا استحبابا (إلا أن الله لا يحب الكفر مع أنه خلقه بمشيئته ولا يرضاه لعباده) كما (قال تعالى) فى سورة الزمر (﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾) ومثل الكفر سائر المعاصى والمكروهات لم يأمر الله بها ولا يحبها (و)القسم (الثالث أمر لم يشأه الله وأمر به وهو الإيمان بالنسبة للكافرين الذين علم الله أنهم يموتون على الكفر أمروا بالإيمان و)لكن (لم يشأه لهم) فلم يؤمنوا ومثل ذلك أمور كثيرة أمر الله بها عبادا من عباده مع علمه بأنهم لا يفعلونها وكونه لم يشأ لهم فعلها كالتوبة بالنسبة للعصاة الذين يموتون وهم مقيمون على معاصيهم (و)القسم (الرابع أمر لم يشأه) الله (ولم يأمر به وهو الكفر بالنسبة للأنبياء والملائكة) نهاهم الله عنه وعلم أنهم لا يأتونه وشاء ألا يقعوا فيه فلم يحصل منهم ومثل ذلك أمور كثيرة من محرمات ومكروهات ومباحات لم يأمر الله بها وعلم أنها لا تحصل من كثير من العباد فلم يشأ حصولها منهم فاجتنبوها ولم يفعلوها. فليس الأمر والمشيئة متلازمين كما زعم المعتزلة أن كل ما أمر الله به فقد شاء حصوله لأن الله تعالى أمر سيدنا إبراهيم بذبح ولده إسماعيل عليهما السلام ولم يشأ حصول الذبح بل شاء فداء إسماعيل بكبش من الجنة.

   وليس النهى عما شاء حصوله منافيا للحكمة فلا يقال لو كان صحيحا أن الله شاء حصول الكفر من العباد لما نهى عنه كما زعم المعتزلة وذلك أنهم يوافقوننا فى أن الله علم وقوعهم فى الكفر ومع ذلك نهاهم عنه فكما أن نهيهم عما علم حصوله لا ينافى الحكمة فكذلك نهيهم عما شاء حصوله لا ينافى الحكمة وقرب أهل العلم ذلك إلى الأفهام بأمثلة ذكروها منها أن رجلا أراد أن يظهر لصديقه أن عبده لا يطيعه فى ما يأمره به فأمر العبد بفعل شىء مع عدم إرادة السيد أن ينفذ العبد الأمر فظهر جليا أنه لا تلازم بين الأمر والمشيئة.

   وليس عقاب الله تعالى للعصاة الذين فعلوا المعاصى بمشيئته تعالى وتخليقه ظلما منه عز وجل لأنه إنما عاقبهم على فعلهم لها بإرادتهم التى وإن كانت مخلوقة لله فقد قامت بهم فكانوا فى أفعالهم مختارين ولأن الرب يفعل فى ملكه ما يريد من غير أن يجب عليه دفع ضرر عن العبد ولا فعل ما هو الأصلح له (ومن كان مؤمنا بالقرءان الكريم فليقف عند قوله تعالى) فى سورة الأنبياء (﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ فلا يقال) للاعتراض عليه سبحانه (كيف يعذب العصاة على معاصيهم التى شاء وقوعها منهم فى الآخرة) فإن الاعتراض على الله كفر بل هو أول كفر كفره إبليس فإنه اعترض على الله تعالى حين أمره بالسجود لآدم وقال خلقتنى من نار وخلقته من طين أى فأنا أفضل منه بزعمه فكيف تأمرنى أن أسجد له وأما إذا أراد شخص الاستفهام عن الحكمة ولم يقصد الاعتراض فقال لماذا شاء الله كفر الكافرين وقد كتب عليهم دخول جهنم خالدين فيها فلا ضرر عليه فى العقيدة ولا إثم.