الثلاثاء فبراير 10, 2026

(تقدير الله لا يتغير)

   (اعلم أن تقدير الله تعالى الأزلى) لما يحدث فى هذا العالم (لا يغيره شىء لا دعوة داع ولا صدقة متصدق ولا صلاة مصل ولا غير ذلك من الحسنات بل لا بد أن يكون الخلق على ما قدر) الله (لهم فى الأزل من غير أن يتغير ذلك) ولا يجوز أن يعتقد الإنسان أنه إن تصدق بصدقة أو وصل رحمه أو دعا دعاء يغير الله مشيئته فلا يبتليه بمصيبة بعد أن كان أراد أن تصيبه لأن فى ذلك نسبة تغير المشيئة إلى الله والتغير صفة المخلوق لا صفة الخالق وقد روى مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال قال الله تعالى يا محمد إنى إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد اﻫ ومصداق ذلك فى قول الله تعالى فى سورة ق ﴿ما يبدل القول لدى﴾ (وأما قول الله تعالى) فى سورة الرعد (﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ فليس معناه أن المحو والإثبات فى تقدير الله) أى ليس معناه أن مشيئة الله تعالى تتغير (بل المعنى فى هذا أن الله جل ثناؤه قد كتب ما يصيب العبد من عباده من البلاء والحرمان والموت وغير ذلك) إن لم يدع ربه أو لم يصل رحمه (و)كتب (أنه إن دعا الله تعالى أو أطاعه فى صلة الرحم وغيرها لم يصبه ذلك البلاء ورزقه كثيرا أو عمره طويلا) وهذا الذى يقال له القضاء المعلق أى ما كتب أنه يحصل إن حصل شىء معين غيره ولا يحصل إن لم يحصل ذلك الغير ولكن الله تعالى يعلم بعلمه الأزلى أى الأمرين يحصل وشاء بمشيئته الأزلية حصوله (وكتب فى أم الكتاب) أى فى اللوح المحفوظ (ما هو كائن) أى ما يحصل (من الأمرين فالمحو والإثبات) المذكور فى الآية (راجع إلى أحد الكتابين) أى إلى الكتاب الذى كتب فيه القضاء المعلق لا إلى اللوح المحفوظ[1] (كما أشار إليه ابن عباس) رضى الله عنهما (فقد روى البيهقى عن ابن عباس) رضى الله عنهما (فى قول الله عز وجل ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ قال يمحو الله ما يشاء من أحد الكتابين هما كتابان يمحو الله ما يشاء من أحدهما ويثبت وعنده أم الكتاب ا والمحو يكون فى غير الشقاوة والسعادة فقد روى البيهقى أيضا عن مجاهد أنه قال فى تفسير قول الله تعالى) فى سورة الدخان (﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ يفرق فى ليلة القدر ما يكون فى السنة من رزق أو مصيبة) أى يعلم الله فى هذه الليلة المباركة الملائكة بما يحصل للعباد فى السنة القادمة من يوسع عليه فى الرزق ومن يضيق عليه فيه ومن يصير فى حال خوف ومن يكون فى حال أمن وبغير ذلك قال (فأما كتاب الشقاء والسعادة فإنه ثابت لا يغير ا) وأقوى من ذلك إسنادا ما روى فى تفسير هذه الآية عن ابن عباس رضى الله عنهما أنها جاءت فى النسخ أى أن معناها أن الله تعالى ينسخ ما يشاء من القرءان ويثبت ما يشاء فلا ينسخه اﻫ وعلى هذا حملها الإمام الشافعى رضى الله عنه (فلذلك لا يصح) أن يقال يا رب إن كنت قدرت على الشقاء طول عمرى أو الفقر طول عمرى فغير مشيئتك وتقديرك لأنك قلت يمحو الله ما يشاء ويثبت ولم يثبت (عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء الذى فيه إن كنت كتبتنى فى أم الكتاب عندك شقيا فامح عنى اسم الشقاء وأثبتنى عندك سعيدا وإن كنت كتبتنى فى أم الكتاب محروما مقترا على رزقى فامح عنى حرمانى وتقتير رزقى وأثبتنى عندك سعيدا موفقا للخير فإنك تقول فى كتابك يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) اﻫ (ولا) ثبت (ما أشبهه ولم يصح هذا الدعاء أيضا عن) سيدنا (عمر) رضى الله عنه (ولا عن مجاهد ولا غيرهما من السلف كما يعلم ذلك من كتاب القدر للبيهقى).

   (وليعلم) يقينا (أن مشيئة الله) تعالى (وتقديره لا يتغيران لأن التغير مستحيل على الله) إذ هو علامة الحدوث والاحتياج فلا يجوز نسبته إلى الخالق سبحانه وتعالى. (وأما حديث) ابن ماجه (لا يرد القدر شىء إلا الدعاء فهذا) لا يراد به أن تقدير الله الأزلى ومشيئته الأزلية يتغيران بالدعاء بل هذا (راجع إلى القدر المعلق ليس إلى القدر المبرم) وقد سبق بيان ذلك.

(89) أى أن الممحو والمثبت فى اللوح المحفوظ فهو مشتمل عليهما جميعا ولا يكون المحو فيه.