الخميس يناير 29, 2026

تفسير معية الله المذكورة فى القرءان

   (ومعنى قوله تعالى ﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾ الإحاطة بالعلم) أى محيط بكم علما لا يخفى عليه شىء أينما كنتم وهذه المعية تشمل جميع الخلق المؤمن والكافر لأن الله عالم بأحوال الجميع بأحوال المؤمنين وبأحوال الكافرين (وتأتى المعية أيضا بمعنى النصرة والكلاءة) وهى خاصة بالمؤمنين الأتقياء (كقوله تعالى ﴿إن الله مع الذين اتقوا﴾) ومعنى الآية أن الله مع الذين يخافونه أى ينصرهم ويحفظهم وليس معناه يمشى وينتقل معهم فإن الله تعالى نصر الأولياء وحفظهم من أن يغرقهم الشيطان فى المعاصى. وما أقبح قول ابن تيمية إن الله على العرش حقيقة ومعنا حقيقة. هذا مع أنه ثبت عنه أنه قال فى الرسالة الكبرى الحموية إن الله بقدر العرش لا أصغر ولا أكبر اهـ وقد صدق قول الحافظ أبى زرعة العراقى فيه علمه أكبر من عقله اهـ أى محفوظاته أكبر من فهمه أى أنه فاسد الفهم كثير الحفظ. (وليس المعنى بها) أى بمعية الله (الحلول والاتصال ويكفر من يعتقد ذلك لأنه سبحانه وتعالى منزه عن الاتصال والانفصال بالمسافة فلا يقال إنه متصل بالعالم ولا منفصل عنه بالمسافة لأن هذه الأمور من صفات الحجم والحجم هو الذى يقبل الأمرين والله جل وعلا ليس بحادث) وقد (نفى ذلك عن نفسه بقوله ﴿ليس كمثله شىء﴾) وحينما يراه المؤمنون فى الآخرة بعدما يدخلون الجنة يرونه بلا مسافة بينهم وبينه لا يرونه حجما لطيفا ولا حجما كثيفا ولا بمسافة قريبة أو بعيدة (ولا يوصف الله تعالى بالكبر حجما ولا بالصغر ولا بالطول ولا بالقصر لأنه مخالف للحوادث ويجب طرد كل فكرة عن الأذهان تفضى إلى تقدير الله تعالى وتحديده) فكل شىء يوهم أن الله له حجم ومساحة وكمية يجب إخراجه من القلب لأن الله منزه عن ذلك كله. فالحجم حادث مهما كان صغيرا أو كبيرا فكل الخواطر التى تؤدى إلى جعل الله تعالى ذا مقدار وشكل وهيئة تنبذ وتطرد فالمؤمن يترك هذه الخواطر وينشغل بغيرها وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الحديث الذى رواه عنه أبو القاسم الأنصارى »لا فكرة فى الرب« معناه أن الله تعالى لا يدركه الوهم لأن الوهم يدرك الأشياء التى ألفها أو هى من جنس ما ألفه كالإنسان والغمام والمطر والشجر والضوء والظلام والريح والظل ونحو ذلك وقد قال أبى بن كعب الذى هو من مشاهير الصحابة فى تفسير قوله تعالى ﴿وأن إلى ربك المنتهى﴾ »إليه ينتهى فكر من تفكر« رواه أبو القاسم الأنصارى فى شرح الإرشاد. و(كان اليهود قد نسبوا إلى الله تعالى التعب فقالوا إنه بعد خلق السموات والأرض) فى ستة أيام (استراح) يوم السبت (فاستلقى على قفاه وقولهم هذا كفر) لأنهم جعلوه جسما له أعضاء وكذلك المشبهة جعلته جسما له أعضاء فقالت إنه جالس على العرش. فالمشبهة إخوة اليهود وإن ظنوا بأنفسهم أنهم موحدون (والله تعالى منزه عن ذلك وعن الانفعال كالإحساس بالتعب والآلام واللذات) ومنزه عن الغضب بالانفعال والرضا بالانفعال (فالذى تلحقه هذه الأحوال يجب أن يكون حادثا مخلوقا يلحقه التغير وهذا يستحيل على الله تعالى. قال تعالى ﴿ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾) أى وما أصابنا من تعب (إنما يلغب من يعمل بالجوارح والله سبحانه وتعالى منزه عن الجارحة) فهو يفعل بلا جارحة ولا حركة ولا ءالة ولا مباشرة بل بالقدرة والإرادة والعلم فلا يلغب أى لا يلحقه تعب (قال تعالى ﴿إن الله هو السميع البصير﴾) فالبارئ موصوف بالبصر أى بالرؤية وبالسمع أى أنه يسمع الأصوات لا بسمع حادث عند حدوث الأصوات ويرى ذاته والمخلوقات برؤية أزلية ليست برؤية تحدث له عند حدوث المرئيات وذلك لأن ذلك شأن العباد يسمعون الأصوات بسمع يحدث لهم عند حدوثها ويرون المبصرات برؤية تحدث لهم عند رؤيتها (فالله تعالى سميع وبصير بلا كيفية فالسمع والبصر هما صفتان أزليتان بلا جارحة أى بلا أذن أو حدقة وبلا شرط قرب أو بعد أو جهة وبدون انبعاث شعاع من البصر أو تموج هواء. ومن قال لله أذن فقد كفر ولو قال له أذن ليست كآذاننا بخلاف من قال له عين ليست كعيوننا ويد ليست كأيدينا) ووجه ليس كوجوهنا (بل بمعنى الصفة فإنه جائز لورود إطلاق العين واليد) والوجه على الله (فى القرءان) لكن مع تنزيه الله عن الجارحة (ولم يرد إطلاق الأذن عليه) قال أبو الحسن الأشعرى »ما أطلق الله على نفسه أطلقناه عليه وما لا فلا«.