تفسير سورة يونس من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
- تفسير سورة يونس من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون (31) فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون (32) كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون (33) قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون (34) قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون (35) وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون (36) وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (37) أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (38) بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (39) ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين (40) - {قل من يرزقكم من السماء} بالمطر {والأرض} بالنبات {أمن يملك السمع والأبصار} من يستطيع خلقهما وتسويتهما على الحد الذي سويا عليه من الفطرة العجيبة {ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} أي الحيوان والفرخ والزرع والمؤمن والعالم من النطفة البيضة والحب والكافر والجاهل وعكسها {ومن يدبر الأمر} ومن يلي تدبير أمر العالم كله، جاء بالعموم بعد الخصوص {فسيقولون الله} فسيجيبونك عند سؤالك: إن القادر على هذه هو الله {فقل أفلا تتقون} الشرك في العبودية إذا اعترفتم بالربوبية.
- {فذلكم الله ربكم الحق} الثابت ربوبيته ثباتا لا ريب فيه لمن حقق النظر {فماذا بعد الحق إلا الضلال} لا واسطة بين الحق والضلال، فمن تخطى الحق وقع في الضلال {فأنى تصرفون} عن الحق إلى الضلال وعن التوحيد إلى الشرك.
- {كذلك} مثل ذلك الحق {حقت كلمت ربك} كما حق أنهم مصروفون عن الحق فكذلك حقت كلمة ربك {على الذين فسقوا} تمردوا في كفرهم وخرجوا إلى الحد الأقصى فيه {أنهم لا يؤمنون} لأنهم لا يؤمنون، وأراد بالكلمة العدة بالعذاب.
- {قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده} إنما ذكر: {ثم يعيده} وهم غير مقرين بالإعادة، لأنه لظهور برهانها جعل أمرا مسلما على أن فيهم من يقر بالإعادة {قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده} أمر نبيه بأن ينوب عنهم في الجواب، يعني أنهم لا تدعهم مكابرتهم أن ينطقوا بكلمة الحق فتكلم عنهم {فأنى تؤفكون} فكيف تصرفون عن قصد السبيل.
- {قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق} يرشد إليه {قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع} المعنى أن الله وحده هو الذي يهدي للحق بما ركب في المكلفين من العقول، وأعطاهم من التمكين للنظر في الأدلة التي نصبها لهم ووقفهم على الشرائع بإرسال الرسل {أمن لا يهدي إلا أن يهدى} أي أم الذي لا يهتدي بنفسه أو لا يهدي غيره إلا أن يهديه الله {فما لكم كيف تحكمون} بالباطل حيث تزعمون أنهم أنداد الله.
- {وما يتبع أكثرهم} في قولهم للأصنام: إنها ءالهة، وإنها شفعاء عند الله، والمراد بالأكثر الجميع {إلا ظنا} بغير دليل، وهو اقتداؤهم بأسلافهم ظنا منهم أنهم مصيبون {إن الظن لا يغني من الحق} وهو العلم {شيئا إن الله عليم بما يفعلون} من اتباع الظن وترك الحق.
- {وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله} وما صح وما استقام أن يكون مثله في علو أمره وإعجازه مفترى {ولكن} كان {تصديق الذي بين يديه} وهو ما تقدمه من الكتب المنزلة {وتفصيل الكتاب} وتبيين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع {لا ريب فيه من رب العالمين} ولكن كان تصديقا وتفصيلا منتفيا عنه الريب كائنا من رب العالمين، أو لا ريب في ذلك.
- {أم يقولون افتراه} بل أيقولون: اختلقه {قل} إن كان الأمر كما تزعمون {فأتوا} أنتم على وجه الافتراء {بسورة مثله} شبيهة به في البلاغة وحسن النظم، فأنتم مثلي في العربية {وادعوا من استطعتم من دون الله} وادعوا من دون الله من استطعتم من خلقه للاستعانة به على الإتيان بمثله {إن كنتم صادقين} أنه افتراه.
- {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله} بل سارعوا إلى التكذيب بالقرءان في بديهة السماع قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره، وقبل أن يتدبروه ويقفوا على تأويله ومعانيه وذلك لفر نفورهم عما يخالف دينهم {كذلك} مثل ذلك التكذيب {كذب الذين من قبلهم} يعني كفار الأمم الماضية كذبوا رسلهم قبل النظر في معجزاتهم وقبل تدبرها عنادا وتقليدا للآباء {فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} [الذين ظلموا نفوسهم كيف نزل بهم العذاب، فليتق هؤلاء أن تكون عاقبتهم كذلك، وهو تسلية للنبي ﷺ وتخويف للمكذبين].
{ومنهم من يؤمن به} بالنبي، أو بالقرءان {ومنهم من لا يؤمن به} لا يصدق به ويشك فيه {وربك أعلم بالمفسدين} بالمعاندين.
