تفسير سورة يونس من الآية ثمانين إلى تسعين
- تفسير سورة يونس من الآية واحد وثمانين إلى تسعين
فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين (81) ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون (82) فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين (83) وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (84) فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين (85) ونجنا برحمتك من القوم الكافرين (86) وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين (87) وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم (88) قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون (89) وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين (90) - 81- {فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون(80) فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر} الذي جئتم به هو السحر لا الذي سماه فرعون وقومه سحرا [وهو] من ءايات الله {إن الله سيبطله} يظهر بطلانه {إن الله لا يصلح عمل المفسدين} لا يثبته بل يدمره.
- {ويحق الله الحق} ويثبته {بكلماته} بأوامره وقضاياه {ولو كره المجرمون} ذلك.
- {فما ءامن لموسى} في أول أمره {إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون} وذلك أنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفا من فرعون، وأجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف {وملئهم} يرجع إلى فرعون بمعنى ءال فرعون {أن يفتنهم} يريد أن يعذبهم فرعون {وإن فرعون لعال في الأرض} لغالب فيها قاهر {وإنه لمن المسرفين} في الظلم والفساد وفي الكبر والعتو بادعائه الربوبية.
- {وقال موسى يا قوم إن كنتم ءامنتم بالله} صدقتم به وبآياته {فعليه توكلوا} فإليه أسندوا أمركم في العصمة من فرعون {إن كنتم مسلمين} شرط في التوكل الإسلام، وهو أن يسلموا نفوسهم لله أي يجعلوها له سالمة خالصة لا حظ للشيطان فيها لأن التوكل لا يكون مع التخليط.
- {فقالوا على الله توكلنا} إنما قالوا ذلك لأن القوم كانوا مخلصين {ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين} موضع فتنة لهم، يفتنوننا عن ديننا، أي يضلوننا.
- {ونجنا برحمتك من القوم الكافرين} من تعذيبهم وتسخيرهم.
- {وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا} والمعنى: اجعلا بمصر بيوتا من بيوته مباءة([1]) لقومكما ومرجعا يرجعون إليه للعبادة والصلاة فيه {واجعلوا بيوتكم قبلة} مساجد متوجهة نحو القبلة، وهي الكعبة، وكان موسى ومن معه يصلون إلى الكعبة، وكانوا في أول الأمر مأمورين بأن يصلوا في بيوتهم في خفية من الكفرة لئلا يظهروا عليهم، فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم كما كان المسلمون على ذلك في أول الإسلام بمكة {وأقيموا الصلاة} في بيوتكم حتى تأمنوا {وبشر المؤمنين} يا موسى، [بقرب الخلاص، أو بالنصر والجنة].
- {وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة} هي ما يتزين به من لباس أو حلي أو فرش أو أثاث أو غير ذلك {وأموالا} نقدا ونعما وضيعة([2]) {في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك} ليضلوا الناس عن طاعتك([3]) {ربنا اطمس على أموالهم} أهلكها وأذهب ءاثارها، لأنهم يستعينون بنعمتك على معصيتك، والطمس: الـمحو والهلاك، قيل: صارت دراهمهم ودنانيرهم حجارة كهيئاتها منقوشة، وقيل: وسائر أموالهم كذلك {واشدد على قلوبهم} اطبع على قلوبهم واجعلها قاسية([4]) {فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} إلى أن يروا العذاب الأليم، وكان كذلك، فإنهم لم يؤمنوا إلى الغرق، وكان ذلك إيمان يأس فلم يقبل، وإنما دعا عليهم بهذا لما أيس من إيمانهم وعلم بالوحي أنهم لا يؤمنون.
- {قال قد أجيبت دعوتكما} قيل: كان موسى عليه السلام يدعو وهارون يؤمن، فثبت أن التأمين دعاء، والمعنى أن دعاءكما مستجاب وما طلبتما كائن، ولكن في وقته {فاستقيما} فاثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة والتبليغ {ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون} ولا تتبعان طريق الجهلة الذين لا يعلمون صدق الإجابة وحمه الإمهال، فقد كان بين الدعاء والإجابة أربعون سنة.
{وجاوزنا ببني إسرائيل البحر} هو دليل لنا على خلق الأفعال {فأتبعهم فرعون وجنوده} فلحقهم {بغيا} تطاولا {وعدوا} ظلما {حتى إذا أدركه الغرق قال ءامنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} وفيه دليل على أن الإيمان والإسلام واحد حيث قال: {ءامنت} ثم قال: {وأنا من المسلمين}.
([3]) قال أبو حيان في البحر المحيط: «واللام في {ليضلوا} الظاهر أنها لام كي على معنى: ءاتيتهم ما ءاتيتهم على سبيل الاستدراج، فكان الإتيان لكي يضلوا، ويحتمل أن تكون لام الصيرورة والعاقبة كقوله تعالى في سورة القصص: {فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا}.
([4]) ليس على وجه الرضا بكفرهم، إنما لأنه أيس من إيمانهم، فقال ذلك إرادة التشديد عليهم، كما تقول: لعن الله إبليس.
