تفسير سورة يوسف من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
- تفسير سورة يوسف من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون (21) ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (22) وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون (23) ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (24) واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم (25) قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين (26) وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين (27) فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم (28) يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين (29) وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين (30) - {وقال الذي اشتراه من مصر} هو قطفير وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر، والـملك يومئذ الريان بن الوليد، وقد ءامن بيوسف ومات في حياته، واشتراه العزيز بزنته ورقا([1]) وحريرا ومسكا وهو ابن سبع عشرة سنة، وأقام في منزله ثلاث عشرة سنة، واستوزره الريان بن الوليد وهو ابن ثلاثين سنة، وءاتاه الله الحكمة والعلم وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة {لامرأته} راعيل أو زليخا {أكرمي مثواه} اجعلي منزله ومقامه عندنا كريما، أي حسنا مرضيا {عسى أن ينفعنا} لعله إذا تدرب وراض الأمور وفهم مجاريها نستظهر به على بعض ما نحن بسبيله {أو نتخذه ولدا} أو نتبناه ونقيمه مقام الولد، وكان قطفير عقيما وقد تفرس فيه الرشد فقال ذلك {وكذلك مكنا ليوسف} كما أنجيناه وعطفنا عليه قلب العزيز، كذلك مكنا له {في الأرض} أرض مصر وجعلناه ملكا يتصرف فيها بأمره ونهيه {ولنعلمه من تأويل الأحاديث} كان ذلك الإنجاء والتمكين {والله غالب على أمره} لا يمنع عما يشاء {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ذلك.
- {ولما بلغ أشده} منتهى اشتداد قوته، وهو ثماني عشرة سنة، أو إحدى وعشرون، [وروي عن ابن عباس: ثلاث وثلاثون] {ءاتيناه حكما وعلما} حكمة وهو العلم مع العمل واجتناب ما يجهل فيه {وكذلك نجزي المحسنين} تنبيه على أنه كان محسنا في عمله متقيا في عنفوان أمره([2]).
- {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه} أي طلبت من يوسف أن يواقعها، كأن المعنى: خادعته عن نفسه أي فعلت فعل المخادع لصاحبه عن الشيء الذي لا يريد أن يخرجه من يده {وغلقت الأبواب} وكنت سبعة {وقالت هيت لك} تعال وأقبل {قال معاذ الله} أعوذ بالله {إنه ربي} سيدي ومالكي [أي صورة] ([3]) يريد قطفير {أحسن مثواي} حين قال لك: {أكرمي مثواه}، فما جزاؤه أن أخونه في أهله {إنه لا يفلح الظالمون} الخائنون، أو الزناة، أو أراد بقوله: {إنه ربي} الله تعالى لأنه مسبب الأسباب.
- {ولقد همت به} هم عزم [على الفاحشة] {وهم بها} [هم دفع، لكن الله عصمه فلم يهم] وقيل: وهم بها هم خطرة([4])، ولا صنع للعبد فيما يخطر بالقلب ولا مؤاخذة عليه ولو كان همه كهمها لما مدحه الله تعالى بأنه من عباده المخلصين. وجواب: {لولا أن رأى برهان ربه} محذوف، أو على التقديم والتأخير، أي ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها، [يدل عليه ما قبله، أي فلم يحصل منه هم بالزنا لأن الله أراه برهانه، والبرهان هو العصمة، وقيل: هو العلم الدال على تحريم ما حرمه الله، وقيل: ما أوقعه الله تعالى في قلبه من أنه إذا دفعها لإبعادها عنه ستزعم أنه أراد بدفعها إجبارها على الفاحشة فلم يدفعها بل أدار ظهره إليها وتوجه نحو الباب]. وقد سماه الله مخلصا، فعلم بالقطع أنه ثبت في ذلك المقام وجاهد نفسه مجاهدة أولي العزم ناظرا في دلائل التحريم حتى استحق من الله الثناء {كذلك} مثل ذلك التثبيت ثبتناه {لنصرف عنه السوء} خيانة السيد {والفحشاء} الزنا {إنه من عبادنا المخلصين} الذين أخلصهم الله لطاعته.
- {واستبقا الباب} فأسرع يريد الباب ليخرج وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج {وقدت قميصه من دبر} انشق حين هرب([5]) منها إلى الباب وتبعته تمنعه {وألفيا سيدها لدى الباب} وصادفا بعلها قطفير مقبلا يريد أن يدخل، فلما رأته احتالت لتبرئة ساحتها عند زوجها من الريبة، ولتخويف يوسف طمعا في أن يواطئها خيفة منها ومن مكرها حيث {قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم} وهو الضرب بالسياط، ولم تصرح بذكر يوسف وأنه أراد بها سوءا [ليكون] ذلك أبلغ فيما قصدت من تخويف يوسف.
لـما عرضته للسجن والعذاب ووجب عليه الدفع عن نفسه.
- 27- {قال هي راودتني عن نفسي} ولولا ذلك لكتم عليها ولم يفضحها {وشهد شاهد من أهلها} هو ابن عم لها، وإنما ألقى الله الشهادة على لسان من هو من أهلها لتكون أوجب للحجة عليها وأوثق لبراءة يوسف، وقيل: كان ابن خال لها وكان صبيا في المهد، وسمى قوله شهادة لأنه أدى مؤدى الشهادة في أن ثبت به قول يوسف وبطل قولها {إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين} لأنه يقبل عليها وهي تدفعه عن نفسها فيتخرق قميصه من قبل {وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين} [لأنه يدل على أنه كان هاربا منها].
- {فلما رأى} قطفير {قميصه قد من دبر} وعلم براءة يوسف وصدقه وكذبها {قال إنه} إن قولك: {ما جزاء من أراد بأهلك سوءا}، أو إن هذا الأمر وهو الاحتيال لنيل الرجال {من كيدكن} [من احتيالكن، و] الخطاب لها ولأمتها، [أو لها ولأمثالها] {إن كيدكن عظيم} [أي عظيم الضرر]، لأنهن ألطف كيدا وأعظم حيلة، وبذلك يغلبن الرجال.
- {يوسف أعرض عن هذا} الأمر واكتمه ولا تتحدث به، [والقائل هو قطفير أو الشاهد، وفي مناداته باسمه] تقريب له وتلطيف لمحله ثم قال لراعيل: {واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين} من جملة القوم المتعمدين للذنب. يقال: خطئ إذا أذنب متعمدا، وكان العزيز رجلا حليما حيث اقتصر على هذا القول.
{وقال نسوة} جماعة من النساء وكن خمسا: امرأة الساقي وامرأة الخباز وامرأة صاحب الدواب وامرأة صاحب السجن وامرأة الحاجب {في المدينة} في مصر {امرأة العزيز} والعزيز: الـملك بلسان العرب {تراود فتاها} غلامها {عن نفسه} لتنال شهوتها منه {قد شغفها حبا} خرق حبه شغاف قلبها حتى وصل إلى الفؤاد، والشغاف: جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب {إنا لنراها في ضلال مبين} في خطأ وبعد عن طريق الصواب.
([2]) أي: في أوله وريعان شبابه.
([3]) لأن سيدنا يوسف عليه السلام لم يزل حرا شريفا نسيبا ولو كان بحسب الظاهر ملكا لقطفير، واستبعد أبو حيان هذا التفسير وقال عنه: ويبعد جدا إذ لا يطلق نبي كريم على مخلوق أنه ربه، ولا بمعنى السيد، لأنه لم يكن في الحقيقة مملوكا له، وقال: الضمير في {إنه} الأصح أنه يعود على الله تعالى، أي: إن الله ربي أحسن مثواي إذ نجاني من الجب وأقامني في أحسن مقام.
([4]) أي: الخطور في القلب بلا إرادة.
([5]) هرب هنا مدح له عليه السلام وليس ذما، لأنه هروب مما لا يرضي الله تعالى وهو هروب ممدوح ليس مذموما.
- تفسير سورة يوسف من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
