تفسير سورة يوسف من الآية واحد وخمسين إلى ستين
تفسير سورة يوسف من الآية واحد وخمسين إلى ستين
قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين (51) ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين (52) وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم (53) وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين (54) قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم (55) وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين (56) ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون (57) وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون (58) ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين (59) فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون (60)- {قال} لهن: {ما خطبكن} ما شأنكن {إذ راودتن يوسف عن نفسه} هل وجدتن منه ميلا إليكن {قلن حاش لله} تعجبا من قدرته على خلق عفيف مثله {ما علمنا عليه من سوء} ذنب {قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق} ظهر واستقر {أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين} في قوله: {هي راودتني عن نفسي} ولا مزيد على شهادتهن له للبراءة والنزاهة، واعترافهن على أنفسهن بأنه لم يتعلق بشيء مما قذف به.
ثم رجع الرسول إلى يوسف وأخبره بكلام النسوة وإقرار امرأة العزيز وشهادتها على نفسها، فقال يوسف:
- {ذلك} أي امتناعي من الخروج والتثبت لظهور البراءة {ليعلم} العزيز {أني لم أخنه بالغيب} بظهر الغيب في حرمته، أو ليعلم الـملك أني لم أخن العزيز {وأن الله} وليعلم أن الله {لا يهدي كيد الخائنين} لا يسدده، وكأنه تعريض بامرأته في خيانتها أمانة زوجها.
ثم أراد أن يتواضع لله ويهضم نفسه لئلا يكون لها مزكيا، وليبين أن ما فيه من الأمانة بتوفيق الله وعصمته فقال:
- {وما أبرئ نفسي} من الزلل {إن النفس لأمارة بالسوء} أراد الجنس، أي إن هذا الجنس يأمر بالسوء ويحمل عليه لما فيه من الشهوات {إلا ما رحم ربي} إلا الذي رحمه ربي بالعصمة، وقيل: هو م كلام امرأة العزيز، أي ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أني لم أخنه ولم أكذب عليه في حال الغيبة، وجئت بالصدق فيم سئلت عنه، وما أبرئ نفسي مع ذلك من الخيانة، فإني قد خنته حين قذفته وقلت: {ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن} [يوسف: 25]، وأودعته السجن، تريد الاعتذار مما كان منها، إن كل نفس لأمارة بالسوء إلا من رحم ربي إلا نفسا رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف {إن ربي غفور رحيم} استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت.
- {وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي} أجعله خالصا لنفسي {فلما كلمه} وشاهد منه ما لم يحتسب {قال} الـملك ليوسف: {إنك اليوم لدينا مكين} ذو مكانة ومنزلة، {أمين} مؤتمن على كل شيء، روي أن الرسول جاءه فقال: أجب الـملك، فخرج من السجن ودعا لأهله، ثم اغتسل ولبس ثيابا جددا، فلما دخل على الملك قال: اللهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره، ثم سلم عليه ودعا له بالعبرانية، فقال: ما هذا اللسان قال: لسان ءابائي، فتعجب منه وقال: أيها الصديق إني أحب أن أسمع رؤياي منك، قال: رأيت بقرات فوصف لونهن وأحوالهن ومكان خروجهن ووصف السنابل وما كان منها على الهيئة التي رءاها الملك، وقال له: من حقك أن تجمع الطعام في الأهراء([1])، فيأتيك الخلق من النواحي ويمتارون منك، ويجتمع لك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد قبلك، قال الـملك: ومن لي بهذا، ومن يجمعه؟
- {قال} يوسف: {اجعلني على خزائن الأرض} ولني على خزائن أرضك، يعني مصر {إني حفيظ} أمين أحفظ ما تستحفظنيه {عليم} عالم بوجوه التصرف. وصف نفسه بالأمانة والكفاية وهما طلبة الملوك من يولونه، وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله وإقامة الحق وبسط العدل والتمكن مما لأجله بعث الأنبياء إلى العباد، ولعلمه أن أحدا غيره لا يقوم مقامه في ذلك، فطلبه ابتغاء وجه الله لا لحب الـملك والدنيا. قالوا: وفيه دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان عمالة من يد سلطان جائر، وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة الظلمة.
- {وكذلك} ومثل ذلك التمكين الظاهر {مكنا ليوسف في الأرض} أرض مصر {يتبوأ منها حيث يشاء} إذ كل مكان أراد أن يتخذه منزلا لم يمنع منه لاستيلائه على جميعها ودخولها تحت سلطانه {نصيب برحمتنا} بعطائنا في الدنيا من الـملك والغنى وغيرهما من النعم {من نشاء} [من نشاء من خلقنا كما أصبناها يوسف عليه السلام] {ولا نضيع أجر المحسنين} [يعني الصابرين، أي] في الدنيا [كما لم نضع أجر يوسف].
- {ولأجر الآخرة} [أي الجنة وثوابها] {خير للذين ءامنوا} يريد يوسف وغيره من المؤمنين إلى يوم القيامة {وكانوا يتقون} الشرك والفواحش.
وروي أنه باع من أهل مصر في سني القحط الطعام بالدراهم والدنانير في السنة الأولى حتى لم يبق معهم شيء منها، ثم بالحلي والجواهر في الثانية، ثم بالدواب في الثالثة، ثم بالعبيد والإماء في الرابعة، ثم بالدور والعقار في الخامسة، ثم بأولادهم في السادسة، ثم برقابهم في السابعة حتى استرقهم جميعا([2])، ثم أعتق أهل مصر عن ءاخرهم ورد عليهم أملاكهم، وكان لا يبيع لأحد من الممتارين([3]) أكثر من حمل بعير تقسيطا بين الناس، وأصاب أرض كنعان نحو ما أصاب مصر فأرسل يعقوب بنيه ليمتاروا، وذلك قوله:
- {وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم} بلا تعريف {وهم له منكرون} لتبدل الزي، ولأنه كان من وراء الحجاب، ولطول المدة وهي أربعون سنة، وروي أنه لما رءاهم وكلموه بالعبرانية قال لهم: أخبروني من أنتم وما شأنكم؟ قالوا: نحن قوم من أهل الشام رعاة، أصابنا الجهد فجئنا نمتار، فقال: لعلكم جئتم عيونا تنظرون عورة بلادي؟ فقالوا: معاذ الله نحن بنو نبي حزين لفقد ابن كان أحبنا إليه، وقد أمسك أخا له من أمه يستأنس به، فقال: ائتوني به إن صدقتم.
- {ولما جهزهم بجهازهم} أعطى كل واحد منهم حمل بعير {قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل} أتمه {وأنا خير المنزلين} كان قد أحسن إنزالهم وضيافتهم، رغبهم بهذا الكلام على الرجوع إليه.
{فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي} فلا أبيعكم طعاما {ولا تقربون} أي فإن لم تأتوني به تحرموا [الـميرة] ولا تقربوا [بلادي].
([1]) الأهراء: جمع هري بالضم وكسر الراء وتشديد الياء، وهو بيت كبير يجمع فيه السلطان الطعام.
