تفسير سورة يوسف من الآية واحد وثمانين إلى تسعين
- تفسير سورة يوسف من الآية واحد وثمانين إلى تسعين
ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين (81) واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون (82) قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم (83) وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم (84) قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين (85) قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون (86) يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون (87) فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين (88) قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون (89) قالوا أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (90) - {ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا} عليه بالسرقة {إلا بما علمنا} من سرقته، إذا الصواع استخرج من وعائه {وما كنا للغيب حافظين} وما عملنا أنه سيسرق حين أعطيناك الـموثق.
- {واسأل القرية التي كنا فيها} يعني مصر، أي أرسل إلى أهلها فاسألهم عن كنه القصة {والعير التي أقبلنا فيها} وأصحاب العير، وكانوا قوما من كنعان من جيران يعقوب عليه السلام {وإنا لصادقون} في قولنا، فرجعوا إلى أبيهم، وقالوا له ما قال لهم أخوهم.
- {قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا} أردتموه، وإلا فمن أدرى ذلك الرجل أن السارق يسترق لولا فتواكم وتعليمكم {فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا} بيوسف وأخيه وكبيرهم {إنه هو العليم} بحالي في الحزن والأسف {الحكيم} الذي لم يبتلني بذلك إلا لحكمة.
- {وتولى عنهم} وأعرض عنهم كراهة لما جاءوا به {وقال يا أسفى على يوسف} أضاف الأسف هو أشد الحزن والحسرة إلى نفسه، وإنما تأسف على يوسف دون أخيه وكبيرهم لتمادي أسفه على يوسف دون الآخرين، وفيه دليل على أن الرزء([1]) فيه مع تقادم عهده كان غضا عنده طريا {وابيضت عيناه} ومحقت العبرة([2]) سواد العين وقلبته إلى بياض كدر، وقيل: قد عمي بصره [قيل: لم يبصر بهما ست سنين – وما أحد أكرم على الله منه يومئذ- حتى كشف الله تعالى عنه بقميص يوسف عليه السلام، وقيل: قد تبيض العين ويبقى شيء من الرؤية] {من الحزن} لأن الحزن سبب البكاء الذي حدث منه البياض، فكأنه حدث من الحزن، قيل: ما جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاما([3]) وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب، ويجوز للنبي عليه السلام أن يبلغ به الجزع ذلك الـمبلغ، فلذلك حمد صبره، ولقد بكى رسول الله ﷺ على ولده إبراهيم، وقال: «القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون» وإنما المذموم الصياح والنياحة ولطم الصدور والوجوه وتمزيق الثياب {فهو كظيم} مملوء من الغيظ على أولاده، ولا يهر ما يسوؤهم.
- {قالوا تالله تفتأ} أي لا تفتأ ولا تزال {تذكر يوسف حتى تكون حرضا} مشفيا([4]) على الهلاك مرضا {أو تكون من الهالكين}.
- {قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} البث: أصعب الهم، أي لا أشكو إلى أحد منكم ومن غيركم إنما أشكو إلى ربي داعيا له وملتجئا إليه، فخلوني وشكايتي {وأعلم من الله ما لا تعلمون} وأعلم من رحمته أنه يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب.
- {يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه} فتعرفوا منهما تطلبوا خبرهما {ولا تيأسوا من روح الله} ولا تقنطوا من رحمة الله وفرجه {إنه} إن الأمر والشأن {لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} لأن من ءامن يعلم أنه متقلب في رحمة الله ونعمته، وأما الكافر فلا يعرف رحمة الله ولا تقلبه في نعمته فييأس من رحمته، فخرجوا من عند أبيهم راجعين إلى مصر.
- {فلما دخلوا عليه} على يوسف {قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر} الهزال من الشدة والجوع {وجئنا ببضاعة مزجاة} مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها واحتقارا لها {فأوف لنا الكيل} الذي هو حقنا {وتصدق علينا} وتفضل علينا بالمسامحة والإغماض عن رداءة البضاعة، أو زدنا على حقنا، أو هب لنا أخانا {إن الله يجزي المتصدقين} [يثيبهم].
ولما قالوا: {مسنا وأهلنا الضر} وتضرعوا إليه وطلبوا منه أن يتصدق عليهم ارفضت عيناه ولم يتمالك أن عرفهم نفسه حيث قال:
- {قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف} هل علمتم قبح ما فعلتم بيوسف {وأخيه إذ أنتم جاهلون} لا تعلمون قبحه، وفعلهم بأخيه تعريضهم إياه للغم بإفراده عن أخيه لأبيه وأمه وإيذاؤهم له بأنواع الأذى.
{قالوا أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي} وإنما ذكر أخاه – وهم قد سألوه عن نفسه- لأنه كان في ذكر أخيه بيان لما سألوه عنه {قد من الله علينا} بالألفة بعد الفرقة وذكر نعمة الله بالسلامة والكرامة ولم يبدأ بالـملامة {إنه من يتق} الفحشاء {ويصبر} عن المعاصي وعلى الطاعة {فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} المتقين الصابرين.
([1]) الرزء: المصيبة بفقد الأعزة.
([2]) العبرة بالفتح: الدمعة، وقيل: أن ينهمل الدمع ولا يسمع البكاء.
([3]) هذا على قول في ذلك كما روى ذلك الطبري في تفسيره وغيره، وعلى قول ءاخر إن المدة بين رؤيا يوسف عليه السلام وتأويلها أربعون سنة كما ذكر ذلك أيضا الطبري وغيره والنسفي نفسه عند تفسير الآية رقم 100 من هذه السورة.
- تفسير سورة يوسف من الآية واحد وثمانين إلى تسعين
