تفسير سورة يوسف من الآية واحد وتسعين إلى مئة
- تفسير سورة يوسف من الآية واحد وتسعين إلى مئة
قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين (91) قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين (92) اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين (93) ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون (94) قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم (95) فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون (96) قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين (97) قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم (98) فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين (99) ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم (100) - {قالوا تالله لقد آثرك الله علينا} اختارك وفضلك بالعلم والحلم والتقوى والصبر والحسن {وإن كنا لخاطئين} متعمدين للإثم لم نتق ولم نصبر، لا جرم أن الله أعزك بالـملك وأذلنا بالتمسكن بين يديك.
- {قال لا تثريب عليكم} لا تعيير عليكم {اليوم} الذي هو مظنة التثريب، فما ظنكم بغيره من الأيام؟ ثم ابتدأ فقال: {يغفر الله لكم} فدعا لهم بمغفرة([1]) ما فرط منهم.
وروي أن رسول الله ﷺ أخذ بعضادتي([2]) باب الكعبة يوم الفتح فقال لقريش: «ما ترونني فاعلا بكم» قالوا: نظن خيرا أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت، فقال: «أقول ما قال أخي يوسف: {لا تثريب عليكم اليوم}». {وهو أرحم الراحمين} أي إذا رحمتكم وأنا الفقير فما ظنكم بالغني الغفور. ثم سألهم عن حال أبيه، فقالوا: إنه [ابيضت عيناه] من كثرة البكاء، قال:
- {اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا} يصير بصيرا، قال يهوذا: أنا أحمل قميص الشفاء كما ذهبت بقميص الجفاء {وأتوني بأهلكم أجمعين} لينعموا بآثار ملكي كما اغتموا بأخبار هلكي.
- {ولما فصلت العير} خرجت من عريش مصر {قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف} أوجده الله ريح القميص حين أقبل من مسيرة ثمانية أيام {لولا أن تفندون} التفنيد: النسبة إلى الفند وهو الخرف وإنكار العقل من هرم، والمعنى: لولا تفنيدكم إياي لصدقتموني [والمخاطب بقوله: {تفندون} الظاهر من تناسق الضمائر أنه عائد على من كان بقي عنده من أولاده غير الذين راحوا يمتارون، إذ كان أولاده جماعة].
- {قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم} لفي ذهابك عن الصواب قديما في إفراط محبتك ليوسف، أو في خطئك القديم من حب يوسف، وكان عندهم أنه قد مات. [قال قتادة: قالوا لوالدهم كلمة غليظة لم يكن ينبغي لهم أن يقولوها لوالدهم، ولا لنبي الله ﷺ].
- {فلما أن جاء البشير} أي يهوذا {ألقاه على وجهه} طرح البشير القميص على وجه يعقوب {فارتد} فرجع {بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون} المراد قوله: {إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون} [يوسف: 86]، وروي أنه سأل البشير: كيف يوسف؟ قال: هو ملك مصر، فقال: ما أصنع بالملك؟! على أي دين تركته؟ قال على دين الإسلام، قال: الآن تمت النعمة.
- {قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين} أي سل الله مغفرة ما ارتكبنا في حقك حق ابك، إنا تبنا واعترفنا بخطايانا.
- {قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم} أخر الاستغفار ليتعرف حالهم في صدق التوبة، أو إلى أن يسال يوسف هل عفا عنهم، ثم إن يوسف وجه إلى أبيه جهازا ومائتي راحلة ليتجهز إليه بمن معه، فلما بلغ قريبا من مصر خرج يوسف والـملك في أربعة ءالاف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم، فتلقوا يعقوب وهو يمشي يتوكأ على يهوذا.
- {فلما دخلوا على يوسف ءاوى إليه} ضم إليه {أبويه} واعتنقهما قيل: كانت أمه باقية، وقيل: ماتت وتزوج أبوه خالته، والخالة أم كما أن العم أب، ومعنى دخولهم عليه قبل دخولهم مصر أنه حين استقبلهم أنزلهم في مضرب خيمة أو قصر كان له ثمة {وقال} لهم بعد ذلك: {ادخلوا مصر إن شاء الله ءامنين} من ملوكها، وكانوا لا يدخلونها إلا بجواز، أو من القحط.
([1]) والمعنى: الله يغفر لكم بالهداية إلى الإسلام لأنهم سبوا أباهم الذي هو نبي الله بقولهم {إن أبانا لفي ضلال مبين} وهذا كفر، أو يكون بعد أن رجعوا إلى الإسلام قال: {يغفر الله لكم} أي ما يحصل منكم من المعصية في المستقبل.
([2]) عضادتا الباب: الخشبتان المنصوبتان عن يمين الداخل منه وشماله.
([3]) هذا على قول وعلى قول ءاخر إن المدة بين فراق يوسف ليعقوب عليهما السلام كانت ثمانين سنة كما سبق ذكر ذلك عند تفسير الآية 84 من هذه السورة.
([4]) المناجع هي المبادي، وهي أماكن يختارها البدو للعيش في البادية، خلاف المحاضر، وهي المناطق المأهولة بالسكان الذين يسكنون بالقرب من الماء، والانتجاع والنجعة: طلب الكلأ، والمناجع: مواضع الكلأ.
- تفسير سورة يوسف من الآية واحد وتسعين إلى مئة
