تفسير سورة يوسف من الآية أحد عشر إلى عشرين
- تفسير سورة يوسف من الآية أحد عشر إلى عشرين
قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون (11) أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون (12) قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون (13) قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون (14) فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون (15) وجاءوا أباهم عشاء يبكون (16) قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين (17) وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون (18) وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون (19) وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين (20) - {قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون} أي لم تخافنا عليه ونحن نريد له الخير ونشفق عليه، وأرادوا بذلك لـما عزموا على كيد يوسف استنزاله عن رأيه وعادته في حفظه منهم، وفيه دليل على أنه أحس منهم ما أوجب ألا يأمنهم عليه.
- {أرسله معنا غدا يرتع} [يتسع] في أكل الفواكه وغيرها، والرتـعة: السعة {ويلعب} [يتفرج] بما يباح كالصيد والرمي والركض. {وإنا له لحافظون} من أن يناله مكروه.
- {قال إني ليحزنني أن تذهبوا به} أي يحزنني ذهابكم به {وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون} اعتذر إليهم بأن ذهابهم به مما يحزنه، لأنه كان لا يصبر عنه ساعة، وأنه يخاف عليه من عدوة الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم ولعبهم.
- {قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة} فرقة مجتمعة مقتدرة على الدفع {إنا إذا لخاسرون} أي إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا إذا وخسرناها وأجابوا عن عذره الثاني دون الأول لأن ذلك كان يغيظهم.
- {فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب} عزموا على إلقائه في البئر، وهي بئر على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب عليه السلام روي أنهم لـما برزوا به إلى البرية أظهروا له العداوة وضربوه وكادوا يقتلونه فمنعهم يهوذا، فلما أرادوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده، فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخوه بالدم فيحتالا به على أبيهم، ودلوه في البئر وكان فيها ماء فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي، وكان يهوذا يأتيه بالطعام {وأوحينا إليه} قيل: أوحي إليه في الصغر كما أوحي إلى يحيى وعيسى عليه السلام، وقيل: كان إذ ذاك مدركا {لتنبئنهم بأمرهم هذا} أي لتحدثن إخوتك بما فعلوا بك {وهم لا يشعرون} أنك يوسف لعلو شأنك وكبرياء سلطانك.
- {وجاؤوا أباهم عشاء} للاستتار والتجسر([1]) على الاعتذار {يبكون} فلما سمع صوتهم فزع وقال: ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا، قال: فما بالكم وأين يوسف؟
- {قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق} نتسابق في العدو أو في الرمي {وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا} بمصدق لنا {ولو كنا صادقين} ولو كنا عندك [من قبل في غير هذا] من أهل الصدق والثقة، فكيف وأنت غير واثق بقولنا.
- {وجاؤوا على قميصه بدم كذب} ذي كذب، روي أنهم ذبحوا سخلة([2]) ولطخوا القميص بدمها، وزل عنهم أن يمزقوه، وروي أن يعقوب عليه السلام لـما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال: أين القميص؟ فأخذه وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا، أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه {قال} يعقوب عليه السلام {بل سولت} زينت {لكم أنفسكم أمرا} عظيما ارتكبتموه {فصبر جميل} فأمري صبر جميل، وهو ما لا شكوى فيه إلى الخلق {والله المستعان} أي أستعينه {على} احتمال {ما تصفون} من هلاك يوسف، والصبر على الرزء([3]) فيه.
- {وجاءت سيارة} رفقة تسير من قبل مدين إلى مصر، وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب، فأخطأوا الطريق فنزلوا قريبا منه، وكان الجب في قفرة([4]) بعيدة من العمران، وكان ماؤه ملحا فعذب حين ألقي فيه يوسف {فأرسلوا واردهم} هو الذي يرد الماء ليستقي للقوم، اسمه مالك بن ذعر الخزاعي {فأدلى دلوه} أرسل الدلو ليملأها فتشبت يوسف بالدلو فنزعوه {قال يا بشرى} نادى البشرى كأنه يقول: تعالي فهذا أوانك {هذا غلام} قيل: ذهب به فلما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به {وأسروه} الضمير للوارد وأصحابه أخفوه من الرفقة، أو لإخوة يوسف فإنهم قالوا للرفقة: هذا غلام لنا قد أبق فاشتره منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه {بضاعة} متاعا للتجارة {والله عليم بما يعملون} بما يعمل إخوة يوسف بأبيهم وأخيهم من سوء الصنيع.
{وشروه} وباعوه {بثمن بخس} مبخوس ناقص عن القيمة نقصانا ظاهرا {دراهم معدودة} قليلة تعد عدا ولا توزن، لأنهم كانوا يعدون ما دون الأربعين، ويزنون الأربعين وما فوقها، وكانت عشرين درهما {وكانوا فيه من الزاهدين} ممن يرغب عما في يده فيبيعه بالثمن الطفيف، أو معنى {وشروه}: واشتروه – يعني الرفقة – من إخوته، وكانوا فيه من الزاهدين أي غير راغبين لأنهم اعتقدوا أنه ءابق، ويروى أن إخوته اتبعوهم وقالوا: استوثقوا منه([5]) لا يأبق.
([3]) الرزية: المصيبة والجمع: رزايا، والاسم: الرزء مثال قفل.
- تفسير سورة يوسف من الآية أحد عشر إلى عشرين
