تفسير سورة يس من الآية واحد إلى عشرة
سورة يـٰـس
مكية وهي ثلاث وثمانون ءاية
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة يس من الآية واحد إلى عشرة
يس (1) والقرآن الحكيم (2) إنك لمن المرسلين (3) على صراط مستقيم (4) تنزيل العزيز الرحيم (5) لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون (6) لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون (7) إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون (8) وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون (9) وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (10)
- {يس} معناه يا إنسان، [وقيل: يا محمد، وقيل غير ذلك].
- {والقرءان} قسم [بالقرءان] {الحكيم} ذي الحكمة.
- {إنك لمن المرسلين} جواب القسم، وهو رد على الكفار حين قالوا: لست مرسلا.
- {على صراط مستقيم} [أي إنك على صراط مستقيم، أو] الذين أرسلوا – [وأنت منهم] – على صراط مستقيم، أي طريقة مستقيمة وهو الإسلام.
- {تنزيل} أي نزل تنزيل {العزيز} الغالب بفصاحة نظم كتابة أوهام ذوي العناد {الرحيم} الجاذب بلطافة معنى خطابه أفهام أولي الرشاد.
- {لتنذر قوما} أي أرسلت لتنذر قوما {ما أنذر آباؤهم} غير منذر ءاباؤهم، بدليل قوله تعالى: {لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك([1])} [القصص: 46] {فهم غافلون} أي لم ينذروا فيهم غافلون.
- {لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون} يعني قوله تعالى: {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} [هود: 119]، أي تعلق بهم هذا القول وثبت عليهم ووجب لأنهم ممن علم أنهم يموتون على الكفر.
ثم مثل تصميمهم على الكفر وأنه لا سبيل إلى ارعوائهم([2]) بأن جعلهم كالمغلولين المقمحين في أنهم لا يلتفتون إلى الحق، ولا يعطفون أعناقهم نحوه، ولا يطأطئون رؤوسهم له، وكالحاصلين بين سدين([3]) لا يبصرون ما قدامهم ولا ما خلفهم في أنم لا تأمل لهم ولا تبصر، وأنهم متعامون عن النظر في ءايات الله بقوله تعالى:
- {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان} معناه: فالأغلال واصلة إلى الأذقان ملزوزة إليها([4]) {فهم مقمحون} مرفوعة رؤوسهم، لأن طوق الغل الذي في عنق المغلول يكون في ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود خارجا من الحلقة إلى الذقن فلا يخليه يطأطئ رأسه فلا يزال مقمحا.
- {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم} فأغشينا أبصارهم، أي غطيناها وجعلنا عليها غشاوة {فهم لا يبصرون} الحق والرشاد، وقيل: نزلت في بني مخزوم، وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمدا يصلي ليرضخن([5]) رأسه، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه([6]) به، فلما رفع يده انثنت إلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنه بجهد، فرجع إلى قومه فأخبرهم، فقال مخزومي ءاخر: أنا أقتله بهذا الحجر، فذهب فأعمى الله بصره.
{وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} سواء عليهم الإنذار وتركه، والمعنى: من أضله الله هذا الإضلال لم ينفعه الإنذار. وروي أن عمر بن عبد العزيز قرأ الآية على غيلان القدري([7]) فقال: كأني لم أقرأها أشهدك أني تائب عن قولي في القدر، فقال عمر: اللهم إن صدق فتب عليه، وإن كذب فسلط عليه من لا يرحمه، فأخذه [فيما بعد] هشام بن عبد الملك فقطع يديه ورجليه وصلبه على باب دمشق.
([1]) أي في زمان الفترة بين سيدنا عيسى وسيدنا محمد عليهما الصلاة والسلام، وهم أهل الجاهلية.
([2]) الارعواء: الكف عن القبيح والرجوع عنه.
([3]) الثابتين بين حاجزين من أمامهم ومن خلفهم.
([4]) أي مشدودة، واللز: لزوم الشيء بالشيء وشده، ومنه لزاز الباب.
([5]) الرضخ: الدق والكسر، ورضخ النوى والحصى وكل ما هو يابس: كسره.
([6]) الدمغ: الضرب على الدماغ، أو الشج حتى تبلغ الشجة الدماغ.
([7]) غيلان القدري: هو غيلان بن مسلم الدمشقي، أبو مروان القدري، كان يقول بقول المعتزلة إن العبد يخلق أعماله الاختيارية، وإن كل شر يحصل من العبد يحصل بمشيئة العبد لا بمشيئة الله، وكان في أيام الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز فبلغه عنه ذلك فاستدعاه وقال له: بلغنا أنك تكلم في القدر فأكر أولا وقال: يكذبون علي يا أمير المؤمنين، ثم اعترف وأظهر التوبة والرجوع عن عقيدته الكفرية تلك بعدما أقام عليه سيدنا عمر بن عبد العزيز الحجة وأفحمه بهذه الآية المذكورة هنا وبغيرها، فلما ولى قال عمر بن عبد العزيز: اللهم إن كان أعطاني بلسانه ومحنته في قلبه فأذقه حر السيف، فلم يتكلم في خلافة عمر بن عبد العزيز وتكلم في خلافة يزيد بن عبد الملك، فلما مات يزيد وتولى هشام بن عبد الملك أرسل إليه فقال له: ألست كنت عاهدت عمر بن عبد العزيز ألا تكلم في القدر ثم طلب له الإمام الأوزاعي فناظره وأفحمه وأفتى بقتله، فأخذ فقطعت يداه ورجلاه وصلب على باب دمشق، فقال حين أمر به: أركتني دعوة العبد الصالح عمر بن عبد العزيز.
