تفسير سورة يس من الآية أحد عشر إلى عشرين
- تفسير سورة يس من الآية أحد عشر إلى عشرين
إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم (11) إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين (12) واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون (13) إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون (14) قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون (15) قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون (16) وما علينا إلا البلاغ المبين (17) قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم (18) قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون (19) وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين (20) - {إنما تنذر من اتبع الذكر} إنما ينتفع بإنذارك من اتبع القرءان {وخشي الرحمن بالغيب} وخاف عاقب الله ولم يره {فبشره بمغفرة} وهي العفو عن ذنوبه {وأجر كريم} أي الجنة.
- {إنا نحن نحيي الموتى} نبعثهم بعد مماتهم، أو نخرجهم من الشرك إلى الإيمان {ونكتب ما قدموا} ما أسلفوا من الأعمال الصالحة وغيرها {وءاثارهم} ما هلكوا عنه من أثر حسن كعلم علموه، أو كتاب صنفوه أو حبيس([1]) حبسوه، أو رباط([2])، أو مسجد صنعوه، أو سيئ كوظيفة وظفها بعض الظلمة، وكذلك كل سنة حسنة أو سيئة يستن بها([3]) {وكل شيء أحصيناه} عددناه وبيناه {في إمام مبين} يعني اللوح المحفوظ، لأنه أصل الكتب ومقتداها.
- {واضرب لهم مثلا أصحاب القرية} المعنى: واضرب لهم مثلا مثل أصحاب القرية، أي أنطاكية، أي اذكر لهم قصة عجيبة قصة أصحاب القرية {إذ جاءها المرسلون} رسل عيسى عليه السلام إلى أهلها، بعثهم دعاة إلى الحق وكانوا عبدة أوثان([4]).
- {إذ أرسلنا إليهم} [قيل: المرسلون الثلاثة هم أنبياء أرسلهم الله تعالى إلى أهل هذه القرية لدعوتهم إلى عبادة الله تعالى وحده وترك عبادة الأوثان، وقيل: معناه:] أرسل عيسى بأمرنا {اثنين} صادقا وصدوقا، فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات له، وهو حبيب النجار، فسأل عن حالهما، فقالا: نحن رسولا عيسى ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمٰن، فقال: أمعكما ءاية؟ فقالا: نشفي المريض ونبرئ الأكمة([5]) والأبرص([6])، وكان له ابن مريض مذ سنين، فمسحاة فقام، فآمن حبيب، وفشا الخبر فشفي على أيديهما خلق كثير، فدعاهما الـملك وقال لهما: ألنا إلـٰـه سوى ءالهتنا؟ قالا: نعم من أوجدك وءالهتك، فقال: [قوما] حتى أنظر في أمركما، فتبعهما الناس وضربوهما، وقيل: حبسا، ثم بعث عيسى شمعون فدخل متنكرا، وعاشر حاشية الـملك حتى استأنسوا به([7])، ورفعوا خبره إلى الملك، فأنس به فقال له ذات يوم: بلغني أنك حبست رجلين فهل سمعت قولهما؟ قال: لا، فدعاهما، فقال شمعون: من أرسلكما؟ قالا: الله الذي خلق كل شيء، ورزق كل حي، وليس له شريك، فقال: صفاه وأوجزا، قالا: يفعل ما يشاء ويحكم ا يريد، قال: وما ءايتكما؟ قالا: ما يتمنى الـملك، فدعا بغلام أكمه، فدعوا الله، فأبصر الغلام، [ثم] نصحه [شمعون] فآمن وءامن قوم، ومن لم يؤمن صاح عليهم جبريل فهلكوا {فكذبوهما} فكذب أصحاب القرية الرسولين {فعززنا} فقويناهما {بثالث} وهو شمعون {فقالوا} أي قال الثلاثة لأهل القرية {إنا إليكم مرسلون} [لتبليغكم أمر دينكم].
- {قالوا} أي أصحاب القرية {ما أنتم إلا بشر مثلنا} [لا مزية لكم علينا تقتضي اختصاصكم بما تدعون] {وما أنزل الرحمن من شيء} وحيا {إن أنتم إلا تكذبون} ما أنتم إلا كذبة [في دعوى الرسالة].
- {قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون} [ويشهد على صدق دعوانا، والاستشهاد بالله تعالى تأكيد وتحقيق وتقرير في النفوس].
- {وما علينا إلا البلاغ المبين} التبليغ الظاهر المكشوف بالآيات الشاهدة لصحته.
- {قالوا إنا تطيرنا بكم} تشاءمنا بكم، وذلك أنهم كرهوا دينهم، ونفرت منه نفوسهم، وعادة الجهال أن يتيمنوا([8]) بكل شيء مالوا إليه وقبلته طباعهم، ويتشاءموا بما نفروا عنه وكرهوه، فإن أصابهم بلاء أو نعمة قالوا: بشؤم هذا وبركة ذلك، وقيل: حبس عنهم القطر([9])، فقالوا ذلك {لئن لم تنتهوا} عن مقالتكم هذه {لنرجمنكم} لنقتلنكم، أو لنطردنكم، أو لنشستمنكم {وليمسنكم منا عذاب أليم} وليصيبنكم منا عذاب الحريق، وهو أشد عذاب.
- {قالوا طائركم} سبب شؤمكم {معكم} وهو الكفر {أئن ذكرتم} وعظتم ودعيتم إلى الإسلام تطيرتم؟! {بل أنتم قوم مسرفون} مجاوزون الحد في العصيان، فمن ثم أتاكم الشؤم لا من قبل رسل الله وتذكيرهم.
{وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى} هو حبيب النجار، وكان في غار يعبد الله، فلما بلغه خبر الرسل([10]) أتاهم وأظهر دينه وقال: أتسألون على ما جئتم به أجرا؟ قالوا: لا، {قال يا قوم اتبعوا المرسلين}.
([1]) الحبيس: الموقوف في سبيل الله.
([2]) الرباط: المرابطة، وهي ملازمة ثغر العدو، أي الموضع الذي يخشى منه دخول العدو، ويكون عند الحد الفاصل معهم.
([4]) أي كان أهل القرية عبدة أوثان.
([6]) الأبرص: من به برص، وهو داء يقع بسببه في الجسد بياض.
([7]) أي خالطهم حتى اطمأنوا له، والاسم: العشرة والمعاشرة أي المخالطة.
([8]) من اليمن: أي البركة، خلاف الشؤم.
([10]) أي خبر إيذاء الناس لهم، فقد سبق ذكر التقائهما به، ودعوتهما له، وشفاء ابنه بسببهما وإسلامه عقب ذلك، قبل مجيء الثالث شمعون أول ما دخلا المدينة، أنطاكية.
