تفسير سورة هود من الآية أحد عشر إلى عشرين
- تفسير سورة هود من الآية أحد عشر إلى عشرين
إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير (11) فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل (12) أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (13) فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون (14) من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون (15) أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون (16) أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (17) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين (18) الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون (19) أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون (20)
{إلا الذين صبروا} في الـمحة والبلاء {وعملوا الصالحات} وشكروا في النعمة والرخاء {أولئك لهم مغفرة} لذنوبهم {وأجر كبير} يعني الجنة. - كانوا يقترحون عليه ءايات تعنتا لا استرشادا، وكانوا لا يعتدون بالقرءان ويتهاونون به، فكان يضيق صدر رسول الله ﷺ أن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون منه، فهيجه لطرح المبالاة([1]) بردهم واستهزائهم واقتراحهم بقوله: {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك} لعلك تترك أن تلقيه إليهم وتبلغه إياهم مخافة ردهم له وتهاونهم به [ولا يلزم من النهي عن الشيء احتمال وقوعه لجواز وجود ما يصرف عنه، وهو عصمة الرسل عن الخيانة في التبليغ، وقد أجمع المسلمون أنه لا يجوز على الرسول أن يخون في الوحي والتنزيل وأن يترك بعض ما يوحى إليه، لأن تجويزه يؤدي إلى الشك في كل الشرائع والتكاليف وذلك يقدح في النبوة] {وضائق به صدرك} بأن تتلوه عليهم، ولم يقل: ضيق ليدل على أنه ضيق عارض غير ثابت، لأنه عليه السلام كان أفسح الناس صدرا {أن يقولوا} مخافة أو يقولوا {لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك} هلا أنزل عليه ما اقترحنا من الكنز لننفقه، والملائكة لنصدقه {إنما أنت نذير} ليس عليك إلا أن تنذرهم بما أوحي إليك وتبلغهم ما أمرت بتبليغه، ولا عليك أن ردوا أو تهاونوا {والله على كل شيء وكيل} يحفظ ما يقولون، وهو فاعل بهم [جزاء أقوالهم وأفعالهم]، فتوكل عليه وكل أمرك إليه.
- {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور} تحداهم أولا بعشر سور ثم بسورة واحدة {مثله} في الحسن والجزالة([2]) {مفتريات} لـما قالوا: افتريت القرءان اختلقته([3]) من عد نفسك وليس من عند الله، أرخى معهم العنان وقال: هبوا أني اختلقته من عند نفسي([4])، فأتوا أنتم أيضا بكلام مثله مختلق من عند أنفسكم، فأنتم عرب فصحاء مثلي {وادعوا من استطعتم من دون الله} إلى الـمعاونة على المعارضة {إن كنتم صادقين} أنه مفترى.
- {فإن لم يستجيبوا لكم} أي فإن لم يستجب لكم من تدعونه من دون الله إلى المظاهرة على المعارضة لعلمهم بالعجز عنه {فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو} أنزل ملتبسا بما لا يعلمه إلا الله من نظم معجز للخلق، وإخبار بغيوب لا سبيل لهم إليه، واعلموا عند ذلك أن لا إلٰه إلا الله وحده، وأن توحيده واجب، والإشراك به ظلم عظيم {فهل أنتم مسلمون} مبايعون بالإسلام بعد هذه الحجة القاطعة.
- {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون} نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس([5]) في الدنيا، وهو ما يرزقون فيها من الصحة والرزق، وهم الكفار أو المنافقون.
- {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها} وحبط في الآخرة ما صنعوه، أي لم يكن لهم ثواب لأنهم لم يريدوا به الآخرة {وباطل ما كانوا يعملون} أي كان عملهم في نفسه باطلا، لأنه لم يعمل لغرض صحيح.
- {أفمن كان على بينة من ربه} أمن كان يريد الحياة الدنيا كمن كان على بينة؟ أي لا يقاربونهم، يعني أن بين الفريقين تباينا بينا، وأراد بهم من ءامن من اليهود كعبد الله بن سلام وغيره، كان على بينة من ربه، أي برهان أن دين الإسلام حق وهو دليل العقل {ويتلوه} ويتبع ذلك البرهان {شاهد} يشهد بصحته وهو القرءان {منه} من الله، أو من القرءان {ومن قبله} ومن قبل القرءان {كتاب موسى} هو التوراة {إماما} كتابا مؤتما به في الدين قدوة فيه {ورحمة} ونعمة عظيمة على الـمنزل إليهم {أولئك} أي من كان على بينة {يؤمنون به} بالقرءان {ومن يكفر به} بالقرءان {من الأحزاب} يعني أهل مكة ومن ضامهم([6]) من المتحزبين على رسول الله ﷺ {فالنار موعده} مصيره ومورده {فلا تك في مرية} شك {منه} من القرءان، أو من الموعد {إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} [لقلة نظرهم واختلال فكرهم].
- {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم} يحبسون في الموقف وتعرض أعمالهم([7]) {ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم} ويشهد عليهم الأشهاد من الملائكة والنبيين بأنهم الكذابون على الله بأنه اتخذ ولدا وشريكا {ألا لعنة الله على الظالمين} الكاذبين على ربهم.
- {الذين يصدون عن سبيل الله} يصرفون الناس عن دينه {ويبغونها عوجا} يصفونها بالاعوجاج وهي مستقيمة {وهم بالآخرة هم كافرون} {هم} الثانية لتأكيد كفرهم بالآخرة واختصاصهم به.
- {أولئك لم يكونوا} ما كانوا {معجزين في الأرض} بمعجزين الله في الدنيا أن يعاقبهم لو أراد عقابهم {وما كان لهم من دون الله من أولياء} من يتولاهم فينصرهم منه ويمنعهم من عقابه، ولكنه أراد إنظارهم وتأخير عقابهم إلى هذا اليوم، وهو من كلام الأشهاد {يضاعف لهم العذاب} لأنهم أضلوا الناس عن دين الله {ما كانوا يستطيعون السمع} أي استماع الحق {وما كانوا يبصرون} الحق.
{أولئك الذين خسروا أنفسهم} حيث اشتروا عبادة الآلهة([8]) بعبادة الله {وضل عنهم} وبطل عنهم وضاع ما اشتروه وهو {ما كانوا يفترون} من الآلهة([9]) وشفاعتها.
([4]) معناه: لو كان الأمر كما تزعمون فأتوا بكذا، وهو بمعنى التحدي والتعجيز.
([7]) قال الفخر الرازي في تفسيره: إن قيل: لم يجز أن يكون الله تعالى في مكان، فكيف قال {يعرضون على ربهم} فالجواب أنهم يعرضون على الأماكن المعدة للحساب والسؤال.
([8]) إذا قيل الآلهة في مقام بيان الباطل، مقام نفي صحة ألوهية غير الله يكون لا بأس به، ليس معناه أنه يوجد إلٰه غير الله، إنما معناه هذه المعبودات بالباطل.
([9]) أي: الأصنام التي يزعم المشركون أنها ءالهة ويعبدونها من دون الله.
صح في البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لـما قدم رسول الله ﷺ مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، أي: امتنع من دخول البيت الحرام وفيه الأصنام، فأمر بها فأخرجت.
- تفسير سورة هود من الآية أحد عشر إلى عشرين
