تفسير سورة نوح من الآية واحد إلى الآية تسعة
سورة نوح
مكية وهي ثمان وعشرون ءاية
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة نوح من الآية واحد إلى الآية تسعة
إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم (1) قال يا قوم إني لكم نذير مبين (2) أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون (3) يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون (4) قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا (5) فلم يزدهم دعائي إلا فرارا (6) وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا (7) ثم إني دعوتهم جهارا (8) ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا (9)
- {إنا أرسلنا نوحا} قيل: معناه بالسريانية: الساكن {إلى قومه أن أنذر} خوف {قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم} عذاب الآخرة، أو الطوفان.
- {قال يا قوم} أضافهم إلى نفسه إظهارا للشفقة [وأنه لا يريد بهم إلا الخير] {إني لكم نذير} مخوف {مبين} أبين لكم رسالة الله بلغة تعرفونها.
- {أن اعبدوا الله} وحدوه {واتقوه} واحذروا عصيانه {وأطيعون} فيما ءامركم به وأنهاكم عنه.
- {يغفر لكم من ذنوبكم} [من] للبيان([1]) كقوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس([2]) من الأوثان} [الحج: 30]، أو للتبعيض لأن ما يكون بينه وبين الخلق يؤاخذ به بعد الإسلام كالقصاص وغيره([3]) {ويؤخركم إلى أجل مسمى} وهو وقت موتكم {إن أجل الله} أي: الموت {إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون} أي: لو كنتم تعلمون ما يحل بكم من الندامة عند انقضاء أجلكم لآمنتم، وقيل: إنهم كانوا يخافون على أنفسهم الإهلاك من قومهم بإيمانهم وإجابتهم لنوح عليه السلام، فكأنه عليه السلام أمنهم من ذلك ووعدهم بأنهم بإيمانهم يبقون إلى الأجل الذي ضرب لهم لو لم يؤمنوا، أي: أنكم إن أسلمتم بقيتم إلى أجل مسمى ءامنين من عدوكم.
- 6- {قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا} دائبا بلا فتور {فلم يزدهم دعائي إلا فرارا} عن طاعتك، ونسب ذلك إلى دعائه لحصوله عنده، وإن لم يكن الدعاء سببا للفرار في الحقيقة. وكان الرجل يذهب بابنه إلى نوح عليه السلام فيقول: احذر هذا فلا يغرنك؛ فإن أبي قد وصاني به.
- {وإني كلما دعوتهم} إلى الإيمان بك {لتغفر لهم} ليؤمنوا فتغفر لهم {جعلوا أصابعهم في ءاذانهم} سدوا مسامعهم لئلا يسمعوا كلامي {واستغشوا ثيابهم} وتغطوا بثيابهم كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في دين الله {وأصروا} وأقاموا على كفرهم {واستكبروا استكبارا} وتعظموا([4]) عن إجابتي، [وهو] دليل على فرط استكبارهم.
- {ثم إني دعوتهم جهارا} مجاهرا، يعني: أظهرت لهم الدعوة في الـمحافل([5]).
{ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا} خلطت دعاءهم بالعلانية بدعاء السر، فالحاصل أنه دعاهم ليلا ونهارا فافتتح بالمناصحة في السر، فلما لم يقبلوا ثنى بالـمجاهرة، فلما لم تؤثر ثلث بالجمع بين الإسرار والإعلان.
([1]) أي: لبيان ما هو الذي يغفر لهم، وهو ذنوبهم فإن الإسلام يجب ما قبله.
([2]) وهنا أيضا (من) لبيان الرجس لأن الرجس مبهم يتناول غير شيء، فكأنه قيل: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان.
([3]) قيل: لأن من الذنوب مظالم لا تغفر إلا برضا أربابها، وقيل: لأن الإسلام يجب ما قبله من الذنوب لا ما بعده.
