تفسير سورة مريم من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
- تفسير سورة مريم من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (71) ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا (72) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا (73) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا (74) قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا (75) ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا (76) أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا (77) أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا (78) كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا (79) ونرثه ما يقول ويأتينا فردا (80) - {وإن منكم} أحد {إلا واردها} الورود: المرور على الصراط، لأن الصراط مدود عليها، فيسلم أهل الجنة ويتقاذف أهل النار {كان على ربك حتما مقضيا} كان ورودهم كائنا محكوما به.
- {ثم ننجي الذين اتقوا} عن الشرك وهم المؤمنون {ونذر الظالمين فيها جثيا} صاحب الكبيرة قد يعاقب بقدر ذنبه، ثم ينجو لا محالة.
- {وإذا تتلى عليهم ءاياتنا} أي القرءان {بينات} ظاهرات الإعجاز، أو حججا وبراهين {قال الذين كفروا} مشركو قريش وقد رجلوا شعورهم([1]) وتكلفوا في زيهم {للذين ءامنوا} للفقراء ورؤوسهم شعثة([2]) وثيابهم خشنة: {أي الفريقين} نحن أم أنتم {خير مقاما} المراد المكان والمسكن {وأحسن نديا} مجلسا يجتمع القوم فيه للمشاورة، ومعنى الآية أن الله تعالى يقول: إذا أنزلنا ءاية فيها دلائل وبراهين أعرضوا عن التدبر فيها إلى الافتخار بالثروة والمال وحسن المنزل والحال، فقال تعالى:
- {وكم أهلكنا قبلهم من قرن} أي كثيرا من القرون أهلكنا، وكل أهل عصر قرن لمن بعدهم {هم أحسن أثاثا} هو متاع البيت {ورئيا} منظرا وهيئة.
- {قل من كان في الضلالة} الكفر {فليمدد له الرحمن مدا} أي من كفر مد له الرحمن، يعني أمهله وأملى له في العمر ليزداد طغيانا وضلالا {حتى إذا رأوا ما يوعدون} أي لا يزالون يقولون هذا القول إلى أن يشاهدوا الموعود رأي عين {إما العذاب} في الدنيا، وهو تعذيب المسلمين إياهم بالقتل والأسر {وإما الساعة} أي القيامة وما ينالهم من الخزي والنكال {فسيعلمون من هو شر مكانا} منزلا {وأضعف جندا} أعوانا وأنصارا، فحينئذ يعلمون أن الأمر على عكس ما قدروه، وأنهم شر مكانا وأضعف جندا، لا خير مقاما واحسن نديا.
- {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} يزيد في ضلال الضلال بخذلانه([3])، ويزيد المهتدين المؤمنين هدى [أي] ثباتا على الاهتداء، أو يقينا وبصيرة بتوفيقه {والباقيات الصالحات} أعمال الآخرة كلها {خير عند ربك ثوابا} مما يفتخر به الكفار {وخير مردا} مرجعا وعاقبة، تهكم بالكفار لأنهم قالوا للمؤمنين: {أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا} [مريم: 73].
- {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا} أخبر} أيضا بقصة هذا الكافر واذكر حديثه عقيب حديث أولئك.
- {أطلع الغيب} أنظر في اللوح المحفوظ فرأى منيته {أم اتخذ عند الرحمن عهدا} موثقا أن يؤتيه ذلك، [وهو استفهام إنكار وتوبيخ، قيل]: نزلت في الوليد بن المغرة، والمشهور أنها في العاص ابن وائل؛ فقد روي أن خباب بن الأرت صاغ للعاص بن وائل حليا، فاقتضاه الأجر، فقال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون وأن في الجنة ذهبا وفضة فأنا أقضيك ثم فإني أوتى مالا وولدا حينئذ.
- {كلا} ردع وتنبيه على الخطأ، أي هو مخطئ فيما يصوره لنفسه فليرتدع عنه {سنكتب ما يقول} سنظهر له ونعلمه أنا كتبنا قوله {ونمد له من العذاب} نزيده من العذاب كما يزيد في الافتراء والاجتراء {مدا} [بحيث لا ينقطع].
