تفسير سورة مريم من الآية واحد وخمسين إلى ستين
- تفسير سورة مريم من الآية واحد وخمسين إلى ستين
واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا (51) وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا (52) ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا (53) واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا (54) وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا (55) واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا (56) ورفعناه مكانا عليا (57) أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا (58) فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (59) إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا (60) - {واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا} أخلصه الله واصطفاه فهو مخلص بما له من السعادة بأصل الفطرة {وكان رسولا نبيا} الرسول: الذي معه كتاب من الأنبياء، والنبي: الذي ينبئ عن الله عز وحجل وإن لم يكن معه كتاب كيوشع.
- {وناديناه} دعوناه وكلمناه ليلة الجمعة [من غير واسطة ملك، أسمعه الله تعالى كلامه الذي ليس حرفا ولا صوتا كما أسمع سيدنا محمدا عليه الصلاة والسلام كلامه ليلة المعراج] {من جانب الطور} هو جبل بين مصر ومدين {الأيمن} حين أقبل من مدين يريد مصر، [وكان] الجبل على يمين موسى عليه السلام [بحسب وقوفه] {وقربناه} تقريب منزلة ومكانة دون منزل ومكان {نجيا} أي مناجيا، [أي: كلمناه من غير وحي].
- {ووهبنا له من رحمتنا} من أجل رحمتنا له وترؤفنا([1]) عليه {أخاه هارون نبيا} وهبنا له نبوة أخيه [إجابة لدعوته {واجعل لي وزيرا من أهلي *هارون أخي} [طه: 29، 30]، وإلا فهارون كان أكبر سنا منه.
- {واذكر في الكتاب إسماعيل} بن إبراهيم {إنه كان صادق الوعد} وافيه، وعد الصبر على الذبح فوفى، ولم يعد ربه موعدا إلا أنجزه، وإنما خصه بصدق الوعد وإن كان موجودا في غيره من الأنبياء تشريفا له ولأنه المشهور من خصاله {وكان رسولا} إلى جرهم {نبيا} مخبرا منذرا.
- {وكان يأمر أهله} أمته {بالصلاة والزكاة} يحتمل أنه إنما خصت هاتان العبادتان لأنهما أما العبادات البدنية والمالية {وكان عند ربه مرضيا} [رضيا زاكيا صالحا لاستقامة أقواله وأفعاله].
- {واذكر في الكتاب إدريس} هو أخنوخ أول من خط بالقلم وخاط اللباس ونظر في علم النجوم والحساب واتخذ الموازين والمكاييل والأسلحة، فقاتل بني قابيل {إنه كان صديقا نبيا} أنزل الله عليه ثلاثين صحيفة.
- {ورفعناه مكانا عليا} هو شرف النبوة والزلفى عند الله.
- {أولئك} إشارة إلى المذكورين في السورة من زكريا إلى إدريس {الذين أنعم الله عليهم من النبيين} من للبيان([2]) لأن جميع الأنبياء منعم عليهم {من ذرية ءادم} من للتبعيض، وكان إدريس من ذرية ءادم لقربه منه لأنه جد أبي نوح {وممن حملنا مع نوح} إبراهيم من ذرية م، حمل مع نوح لأنه ولد سام بن نوح {ومن ذرية إبراهيم} إسماعيل وإسحاق ويعقوب {وإسرائيل} ومن ذرية إسرائيل أي يعقوب، موسى وهارون وزكريا ويحيـى وعيسى، لأن مريم من ذريته {وممن هدينا} لمحاسن الإسلام {واجتبينا} لشرح الشريعة وكشف الحقيقة {إذا تتلى عليهم ءايات الرحمن} إذا تليت عليهم كتب الله المنزلة {خروا سجدا} سقطوا على وجوههم رغبة {وبكيا} باكين رهبة، في الحديث: «اتلوا القرءان وابكوا وإن لم تبكوا فتباكوا»([3]).
- {فخلف من بعدهم} فجاء من بعد هؤلاء المفضلين {خلف} أولاد سوء هم اليهود([4]) {أضاعوا الصلاة} تركوا الصلاة المفروضة {واتبعوا الشهوات} ملاذ النفوس {فسوف يلقون غيا} جزاء غي([5])، وكل شر عند العرب غي، وكل خير رشاد.
{إلا من تاب} رجع عن كفره {وءامن} بشرطه {وعمل صالحا} بعد إيمانه {فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا} لا ينقصون شيئا من جزاء أعمالهم ولا يمنعونه بل يضاعف لهم.
([1]) الرأفة: كالرحمة، إلا أن الرأفة أشد الرحمة.
([2]) يعني أنه ليس المراد التبعيض كما تكون للتبعيض في قولك: أخذت من الدراهم، أي أخذت بعضها، أما هنا فلا يصح أن تكون للتبعيض، لأنه يؤدي إلى فساد وهو أن بعض النبيين ليسوا من المنعم عليهم.
([3]) معناه إن لم تجدوا بكاء تكلفوا البكاء لتخشعوا لله.
([4]) الخلف: بتسكين اللام: البدل السيئ، أما الخلف بفتح اللام فهو البدل الصالح وعقب الخير.
