تفسير سورة مريم من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
- تفسير سورة مريم من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (31) وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا (32) والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (33) ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34) ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (35) وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36) فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (37) أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين (38) وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون (39) إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون (40) - {وجعلني مباركا أين ما كنت} نفاعا حيث كنت {وأوصاني} وأمرني {بالصلاة والزكاة} إن ملكت مالا، ويحتمل: وأوصاني بأن ءامركم بالصلاة والزكاة {ما دمت حيا} مدة حياتي.
- {وبرا بوالدتي} بارا بها أكرمها وأعظمها {ولم يجعلني جبارا} متكبرا {شقيا} عاقا.
- {والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا} أي ذلك السلام الموجه إلى يحيـى في المواطن الثلاثة موجه إلي([1]).
- {ذلك} [الذي تقدم نعته هو] {عيسى ابن مريم} لا كما قالت النصارى: إنه إلـٰه أو ابن الله {قول الحق} [أي أقول قول الحق] {الذي فيه يمترون} يشكون، أو يختلفون فقالت اليهود: ساحر كذاب، وقالت النصارى: ابن الله وثالث ثلاثة.
- {ما كان لله} [ليس من صفة الله] {أن يتخذ من ولد} جيء بمن لتأكيد النفي {سبحانه} نزه ذاته عن اتخاذ الولد {إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} [فلا يتعذر عليه تعالى خلق ما يريده من غير أصل، بل إذا أراد شيئا خلقه كما يريد، وهو كناية عن سرعة تكوين ما أراد ولا خطاب هناك لأن المعدوم لا يؤمر، والموجود لا يؤمر بإيجاده].
- {وإن الله ربي وربكم فاعبدوه} هو من كلام عيسى، يعني كما أنا عبده فأنتم عبيده، وعلي وعليكم أن نعبده {هذا} الذي ذكرت {صراط مستقيم} [طريق يفضي بقائله ومعتقده إلى النجاة والجنة].
- {فاختلف الأحزاب} الحزب: الفرقة المنفردة برأيها عن غيرها، وهم ثلاث فرق: نسطورية ويعقوبية وملكانية {من بينهم} من بين أصحاب عيسى، أو من بين قومه، أو من بين الناس، وذلك أن النصارى اختلفوا في عيسى حين رفع، ثم اتفقوا على أن يرجعوا إلى قول ثلاثة كانوا عندهم أعلم أهل زمانهم، وهم يعقوب ونسطور وملكاء([2])، فقال يعقوب: هو الله هبط إلى الأرض ثم صعد على السماء، وقال نسطور: كان ابن الله أظهره ما شاء ثم رفعه إليه، وقال الثالث: كذبوا كان عبدا مخلوقا نبيا، فتبع كل واحد منهم قوم، [وقيل إن الثالث وهو ملكاء قال: هو ثالث ثلاثة؛ الله إلـٰه وهو إلـٰه وأمه إلـٰه، وقال رابع: هو عبد الله ورسوله وروحه الـمشرفة عنده خلقا وتكوينا وكلمته أي بشارته التي بشرها لمريم عليه السلام] {فويل للذين كفروا} من الأحزاب إذ [واحد منهم كان] على الحق {من مشهد يوم عظيم} هو يوم القيامة.
- {أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا} الجمهور على أن لفظه أمر ومعناه التعجب، والله تعالى لا يوصف بالتعجب ولكن المراد أن أسماعهم وأبصارهم جدير بأن يتعجب منهما بعدما كانوا عميا في الدنيا([3]) {لكن الظالمون اليوم} لكنهم اليوم في الدنيا بظلمهم أنفسهم حيث تركوا الاستماع والنظر حين يجدي عليهم، ووضعوا العبادة في غير موضعها {في ضلال} عن الحق {مبين} ظاهر، وهو اعتقادهم عيسى إلـٰـها معبودا مع ظهور ءاثار الحدث فيه.
- {وأنذرهم} خوفهم {يوم الحسرة} يوم القيامة، لأنه يقع فيه الندم على ما فات {إذ قضي الأمر} فرغ من الحساب وتصادر([4]) الفريقان إلى الجنة والنار {وهم في غفلة} هنا [في هذه الدنيا] عن الاهتمام لذلك المقام {وهم لا يؤمنون} لا يصدقون به.
إنا نحن نرث الأرض ومن عليها} نتفرد بالـملك والبقاء عند تعميم الهلك والفناء {وإلينا يرجعون} يردون فيجازون جزاء وفاقا.
([1]) كما ورد ذلك في حق يحيى عليه السلام عند تفسير الآية رقم (15) من هذه السورة، أي: أمان من الله تعالى له يوم ولد – من أن يناله الشيطان- ويوم يموت – من فتاني القبر، أو من عذاب القبر – ويوم يبعث حيا من الفزع الأكبر يوم القيامة.
([3]) أي: ما أسمعهم وما أبصرهم بالهدى ذلك اليوم، يوم لا ينفعهم، أي سيسمعون يومئذ ما يصدع قلوبهم وترون ما يهلكهم.
([4]) أي: انصرف الفريقان من موقف الحساب إما إلى الجنة وإما إلى النار.
