تفسير سورة مريم من الآية أحد عشر إلى عشرين
سورة مريم عليها السلام
مكية، وهي ثمان أو تسع وتسعون ءاية
مدني وشامي
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة مريم من الآية واحد إلى عشرة
كهيعص (1) ذكر رحمت ربك عبده زكريا (2) إذ نادى ربه نداء خفيا (3) قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا (4) وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا (5) يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا (6) يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا (7) قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا (8) قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (9) قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا (10)
- {كهيعص} قيل: هو اسم للسورة [وقيل غير ذلك].
- {ذكر رحمة ربك} هذا [المتلو من القرءان] ذكر [رحمة ربك] {عبده زكريا} [أي: لعبده زكريا في دعائه].
- {إذ نادى ربه نداء خفيا} دعاه دعاء سرا كما هو المأمور به، وهو أبعد عن الرياء وأقرب على الصفاء.
- {قال رب إني وهن العظم مني} ضعف، وخص العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه، فإذا وهن تداعى وتساقطت قوته، ولأنه أشد ما فيه وأصلبه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن {واشتعل الرأس شيبا} أي فشا في رأسي الشيب {ولم أكن بدعائك} بدعائي إياك {رب شقيا} أي كنت مستجاب الدعوة قبل اليوم سعيدا به غير شقي فيه، [أي قد عودتني الإجابة ولم تكن تشقيني بالرد إذا دعوتك].
- {وإني خفت الموالي} هم عصبته إخوته وبنو عمه، وكانوا شرار بني إسرائيل، فخافهم أن يغيروا الدين وألا يحسنوا الخلافة على أمته، فطلب عقبا صالحا من صلبه يقتدي به في إحياء الدين {من ورائي} بعد موتي {وكانت امرأتي عاقرا} عقيما لا تلد {فهب لي من لدنك} [من عندك] {وليا} ابنا يلي أمرك بعدي.
- {يرثني ويرث} هب لي ولدا وارثا مني العلم، ومن ءال يعقوب النبوة، ومعنى وراثة النبوة أنه يصلح لأن يوحى إليه، ولم يرد أن نفس النبوة تورث {من ءال يعقوب} بن إسحاق {واجعله رب رضيا} مرضيا ترضاه. فأجاب الله تعالى دعاءه وقال:
- {يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى} تولى الله تسميته تشريفا له [والمنادي والمبشر لزكريا هم الملائكة بوحي من الله تعالى] {لم نجعل له من قبل سميا} لم يسم أحد بيحيى قبله، فلما بشرته الملائكة به:
- {قال رب أنى} يكف {يكون لي غلام} وليس هذا باستبعاد بل هو استكشاف أنه بأي طريق يكون؟ {وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا} أي بلغت عتيا، وهو اليبس والجساوة([1]) في المفاصل والعظام كالعود اليابس من أجل الكبر والطعن في السن.
- {قال كذلك} [أي قال له الملك]: الأمر كذلك، تصديق له، ثم ابتدأ {قال ربك هو علي هين} خلق يحيى من كبيرين سهل {وقد خلقتك من قبل} أوجدتك من قبل يحيـى {ولم تك شيئا} لأن المعدوم ليس بشيء.
{قال رب اجعل لي ءاية} علامة أعرف بها حبل امرأتي {قال ءايتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا} حال كونك سوي الأعضاء واللسان، يعني علامتك أن تمنع الكلام فلا تطيقه وأنت سليم الجوارح ما بك خرس ولا بكم، [أي: وتبقى لك القدرة على ذكر الله لقوله تعالى في سورة ءال عمران: {قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار} [آل عمران: 41] أي أيام عجزك عن كلام الناس، وذلك ليخلص المدة لذكر الله فلا يشغل لسانه إلا به].
