تفسير سورة ق من الآية أحد عشر إلى الآية عشرين
- تفسير سورة ق من الآية أحد عشر إلى الآية عشرين
رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج (11) كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود (12) وعاد وفرعون وإخوان لوط (13) وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد (14) أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد (15) ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد (16) إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد (17) ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (18) وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد (19) ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد (20) - {رزقا للعباد} أنبتناها رزقا للعباد؛ أي: لرزقهم {وأحيينا به} بذلك الماء {بلدة ميتا} قد جف نباتها {كذلك الخروج} كما أحييت هذه البلدة الـميتة كذلك تخرجون أحياء بعد موتكم، لأن إحياء الـموات كإحياء الأموات.
- {كذبت قبلهم} قبل قريش {قوم نوح} [نوحا] {وأصحاب الرس} [شعيبا، وكانوا يعبدون الأصنام: فبينا هم حول الرس] وهو بئر لم تطو([1]) – [انهارت بهم وخسف بهم وبديارهم، وقيل]: هم قوم باليمامة، وقيل: أصحاب الأخدود، [والرس: الأخدود، وقيل: هم قرية من ثمود] {وثمود} [صالحا].
- 14- {وعاد} [هودا] {وفرعون} [موسى وهارون، و] أراد بفرعون قومه {وإخوان لوط} سماهم إخوانه لأن بينهم وبينه نسبا قريبا {وأصحاب الأيكة} [أي: الغيضة شعيبا] {وقوم تبع} [رسولهم، وتبع]: ملك باليمن أسلم ودعا قومه إلى الإسلام فكذبوه، وسمي به لكثرة تبعه {كل} كل واحد منهم {كذب الرسل} لأن من كذب رسولا واحدا فقد كذب جميعهم {فحق وعيد} [فثبت] وحل [بهم] وعيدي [الذي توعدتهم به]، وفيه تسلية لرسول الله ﷺ وتهديد [للمكذبين من أمته].
- {أفعيينا بالخلق الأول} أي: لم نعجز عن الخلق الأول فكيف نعجز عن الثاني؟! {بل هم في لبس} في خلط وشبهة، [أي: لبس عليهم الشيطان وموه فأعرضوا عن التدبر، أي: لا ينكرون البعث عن دليل، بل عن تقليد بجهل] {من خلق جديد} بعد الموت [أي: البعث والتجديد بعد البلى].
- {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه} الوسوسة: الصوت الخفين ووسوسة النفسش: ما يخطر ببال الإنسان ويهجس([2]) في ضميره من حديث النفس {ونحن أقرب إليه} المراد: قرب علمه منه {من حبل الوريد} هو مثل في فرط القرب، والوريد: عرق في باطن العنق، والحبل: العرق.
- {إذ يتلقى المتلقيان} يعني: الـملكين الحافظين {عن اليمين وعن الشمال قعيد} التلقي: التلقن بالحفظ والكتابة، والقعيد: الـمقاعد: كالجليس بمعنى الـمجالس، وتقديره: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد من المتلقيين، والمعنى أنه تعالى يتوصل علمه إلى خطرات النفس، ولا شيء أخفى منه، وهو أقرب من الإنسان من كل قريب حين يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به، إيذانا بأن استحفاظ الملكين أمر هو غني عنه، وكيف لا يستغني عنه وهو مطلع على أخفى الخفيات، وإنما ذلك لحكمة، وهي ما في كتبة الـملكين وحفظهما وعرض صحائف العمل يوم القيامة من زيادة لطف له في الانتهاء عن السيئات والرغبة في الحسنات.
- {ما يلفظ من قول} ما يتكلم به وما يرمي به من فيه {إلا لديه رقيب} حافظ {عتيد} حاضر، ثم قيل: يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه([3])، [وقيل: يكتبان جميع الكلام فيثبت الله تعالى من ذلك الحسنات والسيئات، ويمحو غير ذلك]، وقيل: لا يكتبان إلا ما فيه أجر أو وزر.
لما ذكر إنكارهم البعث، واحتج عليهم بقدرته وعلمه، أعلمهم أن ما أنكروه هم لا قوه عن قريب عند موتهم، وعند قيام الساعة، ونبه على اقتراب ذلك بأن عبر عنه بلفظ الماضي وهو قوله:
- {وجاءت سكرة الموت} أي: شدته الذاهبة بالعقل ملتبسة {بالحق} أي: بحقيقة الأمر {ذلك ما كنت منه} الإشارة إلى الموت {تحيد} تنفر وتهرب.
{ونفخ في الصور} يعني: نفخة البعث {ذلك يوم الوعيد} أي: وقت ذلك [النفخ] يوم الوعيد [الذي أوعد به الناس].
