تفسير سورة غافر من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
- تفسير سورة غافر من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق (21) ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب (22) ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (23) إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب (24) فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال (25) وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد (26) وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب (27) وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب (28) يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد (29) وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب (30)
[ثم خوفهم عقوبة الدنيا بعد أن خوفهم عقوبة العقبى فقال]:
- {أو لم يسيروا في الأرض} [هذا استفهام بمعنى الإثبات؛ أي قد ساروا في الأرض] {فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم} أي ءاخر أمر الذين كذبوا الرسل من قبلهم، [وذلك أنهم كانوا يمرون بديار عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم في جوار بلادهم، وكان شأن بعضهم معلوما عندهم عيانا وخبرا] {كانوا هم أشد منهم قوة} [في أبدانهم وعلى أعادائهم بعدتهم] {وءاثارا في الأرض} حصونا وقصورا {فأخذهم الله بذنوبهم} عاقبهم بسبب ذنوبهم {وما كان لهم من الله من واق} ولم يكن لهم شيء يقيهم من عذاب الله؛ [فهؤلاء المشركون الذين هم دون أولئك قوة وءاثارا أولى ألا يقيهم شيء].
- {ذلك بأنهم} أي الأخذ بسبب أنهم {كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله} [أي عاقبهم وأهلكهم] {إنه قوي} قادر على كل شيء {شديد العقاب} إذا عاقب.
- {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} بالعلامات الالة على صدقه، وهي المعجزات] {وسلطان مبين} وحجة ظاهرة.
- {إلى فرعون وهامان وقارون} [خصهم بالذكر لأن فرعون كان ملكهم، وهامان وزيره، وقارون صاحب الأموال والكنوز، وكان موسى مبعوثا إلى كل القوم] {فقالوا ساحر} [فيما يظهره من المعجزات] {كذاب} [في دعوى الرسالة والدعاء إلى التوحيد]، فسموا [الآيات و] السلطان المبين سحرا وكذبا.
- {فلما جاءهم بالحق} بالنبوة {من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين ءامنوا معه} أعيدوا عليهم القتل كالذي كان أولا {واستحيوا نساءهم} [استبقوهم] للخدمة {وما كيد الكافرين إلا في ضلال} ضياع، يعني أنهم باشروا قتلهم أولا فما أغنى عنهم، ونفذ قضاء الله بإظهار من خافوه، فما يغني عنهم هذا القتل الثاني، وكان فرعون قد كف عن قتل الولدان، فلما بعث موسى عليه السلام وأحس بأنه قد وقع [ما كان يخشى] أعاده عليهم غيظا وظنا منه أنه يصدهم بذلك عن مظاهرة موسى عليه السلام، وما علم أن كيده ضائع في الكرتين جميعا.
- {وقال فرعون} لملئه([1]) {ذروني أقتل موسى} كان إذا هم بقتله كفوه بقولهم: ليس بالذي تخافه، وهو أقل من ذلك، وما هو إلا ساحر، وإذا قتلته أدخلت الشبهة على الناس واعتقدوا أنك عجزت عن معارضته بالحجة، والظاهر أن فرعون قد استيقن أنه نبي وأن ما جاء به ءايات وما هو بسحر، ولكن كان فيه خب([2])، وكان قتالا سفاكا للدماء في أهون شيء، فكيف لا يقتل من أحس بأنه هو الذي يهدم ملكه، ولكنه كان يخاف إن هم بقتله أن يعاجل بالهلاك {وليدع ربه} شاهد صدق على فرط خوفه منه ومن دعوته ربه، [أو أراد: وليدع ربه الذي يزعم أنه أرسله فيمنعه منا]، وكان قوله: ذروني أقتل موسى تمويها على قومه وإيهاما أنهم هم الذين يكفونه، وما كان يكفه إلا ما في نفسه من هول الفزع {إني أخاف} إن لم أقتله {أن يبدل دينكم} أن يغير ما أنتم عليه، وكانوا يعبدونه ويعبدون الأصنام [بدليل قوله تعالى: {ويذرك وءالهتك} [الأعراف: 127]] {أو أن يظهر} موسى {في الأرض الفساد} الفساد في الأرض التقاتل الذي يذهب معه الأمن، وتتعطل المعايش ويهلك الناس قتلا وضياعا، كأنه قال: إني أخاف أن يفسد عليكم دينهم بدعوتكم إلى دينه، أو دنياكم بما يظهر من الفتن بسببه.
- {وقال موسى} [لقومه] لما سمع بما أجراه فرعون من حديث قتله {إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب} وفي قوله: {وربكم} بعث لهم على أن يقتدوا به فيعوذوا بالله عياذه، ويعتصموا بالتوكل عليه اعتصامه، وقال: {من كل متكبر} لتشمل استعاذته فرعون وغيره من الجبابرة، وأراد بالتكبر الاستكبار عن الإذعان للحق، وهو أقبح استكبار وأدله على دناءة صاحبه وعلى فرط ظلمه، وقال: {لا يؤمن بيوم الحساب}؛ لأنه إذا اجتمع في الرجل التكبر والتكذيب بالجزاء وقلة المبالاة بالعافية فقد استكمل أسباب القسوة والجراءة على الله وعباده، ولم يترك عظيمة إلا ارتكبها.
- {وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه} قيل: كان قبطيا ابن عم لفرعون ءامن بموسى سرا {أتقتلون رجلا أن يقول} أترتكبون الفعلة الشنعاء التي هي قتل نفس محرمة وما لكم علة في ارتكابها إلا كلمة الحق، وهي قوله: {ربي الله} وهو ربكم أيضا لا ربه وحده {وقد جاءكم بالبينات} [بالمعجزات الظاهرات] {من ربكم} هو استدراج لهم إلى الاعتراف به {وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم} احتج عليهم بطريق التقسيم، وهو أنه لا يخلو من أن يكون كاذبا أو صادقا، فإن يك كاذبا فعليه وبال([3]) كذبه ولا يتخطاه، إن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم من العذاب، وهو العذاب العاجل، وفي ذلك هلاككم، وكان وعدهم عذاب الدنيا والآخرة، والمعنى أنه إن كان مسرفا كذابا خذله الله وأهلكه فتخلصون منه، أو لو كان مسرفا كذابا لما هداه الله بالنبوة ولما عضده بالبينات {إن الله لا يهدي من هو مسرف} مجاوز للحد {كذاب} في ادعائه.
- {يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين} غالبين {في الأرض} أرض مصر {فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا} فلا تفسدوا أمركم على أنفسكم، ولا تتعرضوا لباس الله أي عذابه، فإنه لا طاقة لكم به إن جاءكم ولا يمنعكم منه أحد، وقال: {ينصرنا}، و{جاءنا} لأنه منهم في القرابة {قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى} أي ما أشير عليكم برأي إلا بما أرى من قتله، يعني لا أستصوب إلا قتله، وهذا الذي تقولونه غير صواب {وما أهديكم} [وما أدعوكم] بهذا الرأي {إلا سبيل الرشاد} [إلا إلى] طريق الصواب والصلاح.
{وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب} أي مثل أيامهم؛ [أي يوما ينزل عليكم فيه العذاب المستأصل بتكذيبكم رسوله، مثل أيام الكفار الذين تحزبوا على الأنبياء وتجمعوا عليهم بالتكذيب،
([2]) الخب: الخداع والخبث والغش، ورجل خب وخب: خداع خبيث منكر.
([3]) الوبال: الفساد والشدة والمكروه، والمراد هنا أن إثم كذبه إن كان كاذبا عليه لا يتخطاه.
