- تفسير سورة طه من الآية واحد وثمانين إلى تسعين
كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى (81) وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (82) وما أعجلك عن قومك يا موسى (83) قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى (84) قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري (85) فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي (86) قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري (87) فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي (88) أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا (89) ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري (90)
وقلنا لكم: - {كلوا من طيبات} حلالات {ما رزقناكم ولا تطغوا فيه} ولا تتعدوا حدود الله فيه بأن تكفروا النعم وتنفقوها في المعاصي {فيحل عليكم غضبي} [فتنزل عليكم] عقوبتي {ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى} هلك، أو سقط سقوطا لا نهوض بعده.
- {وإني لغفار لمن تاب} عن الشرك {وءامن} وحد الله تعالى وصدقه فيما أنزل {وعمل صالحا} أدى الفرائض {ثم اهتدى} استقام وثبت على الهدى المذكور، وهو التوبة والإيمان والعمل الصالح.
- {وما أعجلك} وأي شيء عجل بك {عن قومك يا موسى} أي عن السبعين الذين اختارهم؟ وذلك أنه مضى معهم إلى الطور على الموعد المضروب ثم تقدمهم شوقا إلى كلام ربه وأمرهم أن يتبعوه.
- {قال هم أولاء على أثري} هم خلفي يلحقون بي، وليس بيني وبينهم إلا مسافة يسيرة، ثم ذكر موجب العجلة فقال: {وعجلت إليك رب} أي إلى الموعد الذي وعدت {لترضى} لتزداد عني رضا.
- {قال فإنا قد فتنا قومك} ألقيناهم في فتنة {من بعدك} من بعد خروجك من بينهم، والمراد بالقوم الذين خلفهم مع هارون {وأضلهم السامري} بدعائه إياهم إلى عبادة العجل وإجابتهم له، وهو منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها: السامرة، وقيل: كان علجا([1]) من كرمان([2])، واسمه موسى بن ظفر، وكان منافقا.
- {فرجع موسى} من مناجاة ربه {إلى قومه غضبان أسفا} شديد الغضب، أو حزينا {قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا} وعدهم الله أن يعطيهم التوراة التي فيها هدى ونور {أفطال عليكم العهد} أي مدة مفارقتي إياكم {أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم} أردتم أن تفعلوا فعلا يجب به عليكم الغضب من ربكم {فأخلفتم موعدي} وعدوه أن يقيموا على أمره وما تركهم عليه من الإيمان، فأخلفوا موعده باتخاذ العجل.
- {قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا} أي لو خلينا ورأينا لما أخلفنا موعدك، ولكنا غلبنا من جهة السامري وكيده {ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم} أثقالا من حلي القبط، أو أرادوا بالأوزار أنها ءاثام وتبعات لأنهم قد استعاروها ليلة الخروج من مصر بعلة أن لنا غدا عيدا، فقال السامري: إنما حبس موسى لشؤم حرمتها – لأنهم كانوا معهم في حكم المستأمنين في دار الحرب، وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي، على أن الغنائم لم تكن تحل حينئذ – فأحرقوها، فخبأ في حفرة النار قالب عجل، فانصاغت عجلا مجوفا فخار بدخول الريح في مجار منه أشباه العروق، وقيل: نفخ فيه ترابا من موضع قوائم فرس جبريل عليه السلام يوم الغرق، فحيي، فخار، وملت طباعهم إلى الذهب فعبدوه {فقذفناها} في نار السامري التي أوقدها في الحفرة وأمرنا ن نطرح فيها الحلي {فكذلك ألقى السامري} ما معه من الحلي في النار، أو ما معه من التراب الذي أخذه من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام.
- {فأخرج لهم} السامري من الحفرة {عجلا}خلقه الله تعالى من الحلي التي سبكتها الأرض ابتلاء {جسدا} مجسدا {له خوار} صوت، وكان يخور كما تخور العجاجيل {فقالوا} أي السامري وأتباعه: {هذا إلهكم وإله موسى} فأجاب عامتهم إلا اثني عشر ألفا {فنسي} موسى ربه هنا، وذهب يطلبه عند الطور.
- {أفلا يرون ألا يرجع} أي: أنه لا يرجع {إليهم قولا} أي لا يجيبهم {ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا} أي هو عاجز عن الخطاب والضر والنفع فكيف يتخذونه إلـٰها؟
{ولقد قال لهم} لمن عبدوا العجل {هارون من قبل} من قبل رجوع موسى إليهم: {يا قوم إنما فتنتم به} ابتليتم بالعجل فلا تعبدوه {وإن ربكم الرحمن} لا العجل {فاتبعوني} كونوا على ديني الذي هو الحق {وأطيعوا أمري} في ترك عبادة العجل.
([1]) علجا: واحدا من كفار العجم.
([2]) كرمان: اسم بلد بفارس.