- تفسير سورة طه من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
اشدد به أزري (31) وأشركه في أمري (32) كي نسبحك كثيرا (33) ونذكرك كثيرا (34) إنك كنت بنا بصيرا (35) قال قد أوتيت سؤلك يا موسى (36) ولقد مننا عليك مرة أخرى (37) إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى (38) أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني (39) إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى (40) - {اشدد به أزري} قو به ظهري.
- {وأشركه في أمري} اجعله شريكي في النبوة والرسالة.
- {كي نسبحك} نصلي لك وننزهك {كثيرا}.
- {ونذكرك كثيرا} في الصلوات وخارجها.
- {إنك كنت بنا بصيرا} عالما بأحوالنا. فأجابه الله تعالى حيث:
- {قال قد أوتيت سؤلك يا موسى} أعطيت مسؤولك.
- {ولقد مننا} أنعمنا {عليك مرة} كرة {أخرى} قبل هذه، ثم فسرها فقال:
- {إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى} إلهاما، أو إلهاما حين ولدت، وكان فرعون يقتل أمثالك، ثم فسر {ما يوحى} بقوله:
- {أن اقذفيه} ألقيه [ومعناه ضعيه] {في التابوت فاقذفيه في اليم} النيل {فليلقه اليم بالساحل} [بشاطئ النهر] {يأخذه عدو لي وعدو له} يعني فرعون، وكان يشرع([1]) [من اليم] على بستان فرعون نهر كبير، فبينما هو جالس على رأس بركة مع ءاسية إذا بالتابوت، فأمر به فأخرج ففتح، فإذا صبي أصبح الناس وجها، فأحبه فرعون حبا شديدا، فذلك قوله: {وألقيت عليك محبة مني} ومن أحبه الله أحبته القلوب، فما رءاه أحد إلا أحبه {ولتصنع على عيني} لتربى [وأنت في حفظي ورعايتي].
{إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله} روي أن أخته مريم جاءت متعرفة خبره، فصادقفتهم يطلبون له مرضعة يقبل ثديها، وكان لا يقبل ثدي امرأة، فقالت: هل أدلكم على من يضمه إلى نفسه فيربيه؟ وأرادت بذلك المرضعة، فقالوا: نعم، فجاءت بالأم، فقبل ثديها، وذلك قوله: {فرجعناك} فرددناك {إلى أمك} كما وعدناها بقولنا: {إنا رادوه إليك} [سورة القصص] {كي تقر عينها} بلقائك {ولا تحزن} على فراقك {وقتلت نفسا} قبطيا كافرا([2]) {فنجيناك من الغم} من القود. اغتم بسبب القتل خوفا من عقاب الله تعالى ومن اقتصاص فرعون، فغفر الله له باستغفاره حين {قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي} [القصص: 16] ونجاه من فرعون بأن ذهب به من مصر إلى مدين {وفتناك فتونا} ابتليناك ابتلاء بإيقاعك في الـمحن وتخليصك منها {فلبثت سنين في أهل مدين} هي بلدة شعيب عليه السلام على ثماني مراحل من مصر، قيل: لبث عند شعيب ثمانيا وعشرين سنة، عشر منها مهر لصفوراء([3])، وأقام عنده ثماني عشرة سنة بعدها حتى ولد له أولاد {ثم جئت على قدر يا موسى} أي موعد ومقدار للرسالة، وهو أربعون سنة.
([1]) يشرع: يدخل.
([2]) كان موسى عليه السلام يدافع عن مسلم تشاجر مع قبطي كافر، فضربه بجمع كفه وكان شديد القوة فمات بسببها ولم يكن موسى عليه السلام قد أخذ الإذن من الله تعالى بذلك قبل وكزه تلك الوكزة التي قضت عليه.
([3]) صفوراء: اسم بنت سيدنا شعيب التي تزوجها سيدنا موسى عليهما السلام.