تفسير سورة طه من الآية واحد وتسعين إلى مئة
- تفسير سورة طه من الآية واحد وتسعين إلى مئة
قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى (91) قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) ألا تتبعن أفعصيت أمري (93) قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي (94) قال فما خطبك يا سامري (95) قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي (96) قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا (97) إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما (98) كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا (99) من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا (100) - {قالوا لن نبرح عليه عاكفين} لن نزال مقيمين على العجل وعبادته {حتى يرجع إلينا موسى} فننظره هل يعبده كما عبدناه؟ وهل صدق السامري أم لا؟ فلما رجع موسى:
- {قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا} بعبادة العجل.
- {ألا تتبعن} أي شيء منعك أن تتبعني حين لم يقبلوا قولك وتلحق بي وتخبرني؟ {أفعصيت أمري} الذي أمرتك به من القيام بمصالحهم، ثم أخذ بشعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله غضبا [لله تعالى] وإنكارا عليه [أنه لم يتبعه ليخبره بما حصل منهم حين لم يقبلوا قوله، ولم تعمد إيذاء أو إهانة أخيه الأكبر منه سنا والنبي الـمعين له في الدعوة لدين الله تعالى، ولكن لإفهام الناس أن الأمر الذي حصل من عبادة العجل أمر عظيم].
- {قال يا ابن أم} وكان لأبيه وأمه ولكنه ذكر الأم استعطافا وترفيقا {لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي} ثم ذكر عذره فقال: {إني خشيت أن تقول} إن قاتلت بعضهم ببعض {فرقت بين بني إسرائيل} أو خفت أن تقول إن فارقتهم واتبعتك، ولحق بي فريق وتبع السامري فريق: فرقت بين بني إسرائيل {ولم ترقب} ولم تحفظ {قولي}: {اخلفني في قومي وأصلح} [الأعراف: 142]. ثم أقبل موسى على السامري منكرا عليه حيث:
- {قال فما خطبك} [ما الذي حملك على ما صنعت؟] {يا سامري}.
- {قال بصرت بما لم يبصروا به} علمت ما لم يعلمه بنو إسرائيل، قال موسى: وما ذاك؟ قال: رأيت جبريل على فرس [يوم فلق البحر]، فألقي في نفسي أن أقبض من أثره {فقبضت قبضة من أثر الرسول} من أثر فرس الرسول [جبريل] {فنبذتها} فطرحتها في جوف العجل {وكذلك سولت} زينت {لي نفسي} أن أفعله ففعلته اتباعا لهواي، وهو اعتراف بالخطأ واعتذار.
- {قال} له موسى: {فاذهب} من بيننا طريدا {فإن لك في الحياة} ما عشت {أن تقول} لمن أراد مخالطتك جاهلا بحالك: {لا مساس} لا يمسني أحد ولا أمسه، فمنع من مخالطة الناس منعا كليا، وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته، وإذا اتفق أن يماس أحدا حم الماس والممسوس، وكان يهيم في البرية يصيح: لا مساس {وإن لك موعدا لن تخلفه} لن يخلفك الله موعده الذي وعدك على الشرك والفساد في الأرض، ينجزه لك في الآخرة بعدما عاقبك ذاك في الدنيا {وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه} ظللت {عاكفا} مقيما {لنحرقنه} بالنار {ثم لننسفنه} لنذرينه {في اليم نسفا} فحرقه وذراه في البحر.
- {إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما} وسع علمه كل شيء.
- {كذلك} مثل ما اقتصصنا عليك قصة موسى وفرعون {نقص عليك من أنباء ما قد سبق} من أخبار الأمم الماضية تكثيرا لبيناتك وزيادة في معجزاتك {وقد ءاتيناك} أعطيناك {من لدنا} من عندنا {ذكرا} قرءانا فهو ذكر عظيم وقرءان كريم، فيه النجاة لمن أقبل عليه، وهو مشتمل على الأقاصيص والأخبار الحقيقة بالتفكر والاعتبار.
{من أعرض عنه} عن هذا القرءان ولم يؤمن به {فإنه يحمل يوم القيامة وزرا} عقوبة ثقيلة، سماها وزرا تشبيها في ثقلها على المعاقب وصعوبة احتمالها بالحمل الثقيل الذي ينقض ظهره ويلقي عليه بهره([1]).
- تفسير سورة طه من الآية واحد وتسعين إلى مئة
