تفسير سورة ص من الآية أحد عشر إلى عشرين
- تفسير سورة ص من الآية أحد عشر إلى عشرين
جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب (11) كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد (12) وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب (13) إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب (14) وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق (15) وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب (16) اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب (17) إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق (18) والطير محشورة كل له أواب (19) وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب (20)
ثم وعد نبيه ﷺ النصرة عليهم بقوله:
- {جند ما هنالك} {ما} صلة، والتقدير: هم جند، أو مزيدة للتقليل كقولك: أكلت شيئا ما، و{هنالك} إشارة إلى بدر ومصارعهم، أو إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب([1]) لمثل ذلك القول العظيم([2])، من قولهم لمن ينتدب لأمر ليس من أهله: لست هنالك {مهزوم} مكسور {من الأحزاب} يريد ما هم إلا جند من الكفار الـمتحزبين على رسول الله مهزوم عما قريب، فلا تبال بما يقولون ولا تكترث لما به يهذون([3]).
- {كذبت قبلهم} قبل أهل مكة {قوم نوح} نوحا {وعاد} هودا {وفرعون} موسى {ذو الأوتاد} قيل: كانت له أوتاد وحبال يلعب بها بين يديه، وقيل: يوتد من يعذب بأربعة أوتاد في يديه ورجليه.
- {وثمود} وهم قوم صالح صالحا {وقوم لوط} لوطا {وأصحاب الأيكة} الغيضة([4]) شعيبا {أولئك الأحزاب} أراد بهذه الإشارة الإعلام بأن الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم هم، وأنهم الذين وجد منهم التكذيب.
- {إن كل إلا كذب الرسل} كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل، لأن في تكذيب الواحد منهم تكذيب الجميع لاتحاد دعوتهم {فحق عقاب} فحق لذلك أن أعاقبهم حق عقابهم [فكذلك أفعل بمكذبيك يا محمد].
- {وما ينظر هؤلاء} وما ينتظر أهل مكة، ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأحزاب {إلا صيحة واحدة} أي النفخة الأولى، وهي الفزع الأكبر {ما لها من فواق} ما لها من رجوع وترداد، وفواق الناقة ساعة يرجع الدر إلى ضرعها، يريد أنها نفخة واحدة فحسب لا تثنى ولا تردد.
- {وقالوا ربنا عجل لنا قطنا} حظنا من الجنة لأنه عليه الصلاة والسلام ذكر وعد الله المؤمنين الجنة، فقالوا على سبيل الهزء: عجل لنا نصيبنا منها، أو نصيبنا من العذاب الذي وعدته كقوله: {ويستعجلونك بالعذاب} [الحج: 47] {قبل يوم الحساب}.
- {اصبر على ما يقولون} فيك وصن نفسك أن تزل فيما كلفت من مصابرتهم وتحمل أذاهم {واذكر عبدنا داوود} وكرامته على الله كيف زل تلك الزلة اليسيرة فلقى من عتاب الله ما لقي {ذا الأيد} ذا القوة في الدين {إنه أواب} رجاع إلى مرضاة الله تعالى، روي أنه كان يصوم يوما ويفطر يوما، وهو أشد الصوم، ويقوم نصف الليل.
- {إنا سخرنا} ذللنا {الجبال معه} قيل: كان تسخيرها أنها تسير معه إذا أراد سيرها إلى حيث يريد {يسبحن} [بتسبيحه] {بالعشي والإشراق} في طرفي النهار، والعشي وقت العصر إلى الليل، والإشراق حين تشرق الشمس [ويصفو شعاعها]، وهو وقت الضحى.
- {والطير محشورة} وسخرنا الطير مجموعة من كل ناحية، كان إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح، واجتمعت إليه الطير فسبحت، فذلك حشرها {كل له أواب} كل واحد من الجبال والطير لأجل داود، أي لأجل تسبيحه مسبح، لأنها كانت تسبح بتسبيحه.
{وشددنا ملكه} قويناه، [قيل بكثرة الرجال، وقيل بأسباب الـمنعة، وقيل غير ذلك] {وءاتيناه الحكمة} الزبور وعلم الشرائع {وفصل الخطاب} علم القضاء وقطع الخصام، والفصل بين الحق والباطل.
([1]) يقال: ندب القوم إلى الأمر: دعاهم وحثهم، وانتدبوا إليه: أسرعوا، وانتدب القوم من ذوات أنفسهم أيضا دون أن يندبوا له: انتهضوا للفعل مسرعين من غير أن يحقهم أحد.
([2]) كقولهم الوارد في قوله تعالى: {وقال الكافرون هذا ساحر كذاب(4) أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب}.
([3]) يهذون: من الهذيان، وهو الكلام غير المعقول، مثل كلام المعتوه.
