تفسير سورة سبأ من الآية أحد عشر إلى عشرين
- تفسير سورة سبأ من الآية أحد عشر إلى عشرين
أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير (11) ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير (12) يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور (13) فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين (14) لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور (15) فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل (16) ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور (17) وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين (18) فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (19) ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (20) - {أن اعمل} أمرناه أن اعمل {سابغات} دروعا واسعة تامة [تعم الإنسان ما دون رأسه بالتغطية]، وهو أول من اتخذها، وكان يبيع الدرع بأربعة ءالاف فينفق منها على نفسه وعياله ويتصدق على الفقراء {وقدر في السرد} لا تجعل المسامير دقاقا فيقلق ولا غلاظا فيفصم الحلق([1])، والسرد: نسج الدروع {واعملوا} الضمير لداود وأهله {صالحا} خالصا يصلح للقبول {إني بما تعملون بصير} فأجازيكم عليه.
- {ولسليمان الريح} وسخرنا لسليمان الريح، وهي الصبا {غدوها شهر ورواحها شهر} جريها بالغداة مسيرة شهر، وجريها بالعشي كذلك، وكان يغدو من دمشق فيقيل([2]) بإصطخر فارس([3])، وبينهما مسيرة شهر، ويروح من إصطخر فيبيت بكابل([4])، وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع، وقيل: كان يتغدى بالري([5]) ويتعشى بسمرقند {وأسلنا له عين القطر} أي معدن النحاس، فالقطر النحاس، وهو الصفر([6]) ولكنه أساله، وكان يسيل في الشهر ثلاثة أيام كما يسيل الماء، {ومن الجن} وسخرنا من الجن {من يعمل بين يديه بإذن ربه} بأمره {ومن يزغ منهم} ومن يعدل منهم {عن أمرنا} الذي أمرناه به من طاعة سليمان {نذقه من عذاب السعير} كان معه ملك بيده سوط من نار، فمن زاغ عن أمر سليمان عليه السلام ضربه ضربة أحرقته.
- {يعملون له ما يشاء من محاريب} أي مساجد أو مساكن {وتماثيل} [جمع تمثال، وهو كل ما صور على مثل صورة من حيوان أو غير حيوان. قيل: كانت من زجاج ونحاس ورخام]، وكان التصوير مباحا حينئذ {وجفان} جمع جفنة([7]) {كالجواب} جمع جابية وهي الحياض الكبار، قيل: كان يقعد على الجفنة ألف رجل {وقدور راسيات} ثابتات على الأثافي([8]) لا تنزل عنها لعظمها، وقيل: إنها باقية باليمن، وقلنا لهم: {اعملوا آل داوود} ارحموا أهل البلاد واسألوا ربكم العافية، [قيل: المراد من ءال داود داود نفسه وقيل: داود وسليمان وأهل بيتهما] و{شكرا} أي شاكرين، وسئل الجنيد عن الشكر فقال: بذل المجهود بين يدي المعبود [أي في طاعة الله]. {وقليل من عبادي الشكور} المتوفر على أداء الشكر، الباذل وسعه فيه، قد شغل به قلبه ولسانه وجوارحه اعتقادا واعترافا وكدحا.
- {فلما قضينا عليه الموت} أي على سليمان {ما دلهم} أي الجن وءال داود {على موته إلا دابة الأرض} الأرضة، وهي دويبة يقال لها: سرفة، والأرض فعلها([9]) فأضيفت إليه، يقال: أرضت الخشبة أرضا إذا أكلتها الأرضة {تأكل منسأته} الـمنسأة: العصا لأنه ينسأ بها أي يطرد [ويزجر] {فلما خر} سقط سليمان {تبينت الجن} علمت الجن كلهم علما بينا بعد التباس الأمر على عامتهم وضعفتهم، [وقيل: أي: ظهر حال الجن للإنس] {أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا} بعد موت سليمان {في العذاب المهين} [العمل الشاق لهم لظنهم حياته، خلاف ادعائهم علم الغيب].
- {لقد كان لسبإ في مسكنهم} موضع سكناهم، وهو بلدهم وأرضهم التي كانوا مقيمين فيها باليمن {ءاية جنتان} معنى كونهما ءاية أن أهلها لما أعرضوا عن شكر الله سلبهم الله النعمة ليعتبروا ويتعظوا فلا يعودوا إلى ما كانوا عليه من الكفر وغمط النعم {عن يمين وشمال} أراد جماعتين من البساتين، جماعة عن يمين بلدهم، وأخرى عن شمالها، وكل واحدة من الجماعتين في تقاربها وتضامها كأنها جنة واحدة، كما تكون بساتين البلاد العامرة {كلوا من رزق ربكم واشكروا له} حكاية لما قال لهم أنبياء الله المبعوثون إليهم {بلدة طيبة ورب غفور} أي هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة، وربكم الذي رزقكم [وأمركم بشكره] رب غفور لمن شكره. كانت سبأ على ثلاث فراسخ من صنعاء، وكانت أخصب البلاد، تخرج المرأة وعلى رأسها الـمكتل، فتعمل بيدها، وتسير بين تلك الشجر فيمتلئ الـمكتل بما يتساقط فيه من الثمر، ليس فيها بعوض ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية، ومن يمر بها من الغرباء يموت قمله لطيب هوائها.
- {فأعرضوا} عن دعوة أنبيائهم، وكذبوهم وقالوا: ما نعرف لله علينا نعمة {فأرسلنا عليهم سيل العرم} أي المطر الشديد، أو العرم اسم الوادي، أو هو الجرذ([10]) الذي نقب عليهم السكر([11])، لما طغوا سلط الله عليهم الجرذ فنقبه من أسفل فغرقهم {وبدلناهم بجنتيهم} المذكورتين {جنتين} وتسمية البدل جنتين للمشاكلة وازدواج الكلام [والتهكم]، كقوله: {{وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] {ذواتى أكل خمط} الأكل: الثمر، والخمط: شجر الأراك، أو كل شجر ذي شوك {وأثل} الأثل: شجر يشبه الطرفاء([12]) أعظم منه وأجود عودا {وشيء من سدر قليل} [السدر: شجر النبق]، وقلل السدر لأنه أكرم ما بدلوا، لأنه يكون في الجنان.
- {ذلك جزيناهم بما كفروا} جزيناهم ذلك بكفرهم {وهل نجازي إلا الكفور} وهل نجازي مثل هذا الجزاء إلا من كفر النعمة ولم يشكرها، أو كفر بالله.
- {وجعلنا بينهم} بين سبأ {وبين القرى التي باركنا فيها} بالتوسعة على أهلها في النعم، وهي قرى الشام {قرى ظاهرة} متواصلة يرى بعضها من بعض لتقاربها، أو ظاهرة للسابلة([13]) لم تبعد عن مسالكهم {وقدرنا فيها السير} جعلنا هذه القرى على مقدار معلوم، يقيل المسافر في قرية ويروح في أخرى إلى أن يبلغ الشام {سيروا فيها} وقلنا لهم: سيروا، [أو] لا قول ثمة، ولكنهم لما مكنوا من السير وسويت أسبابه فكأنهم أمروا بذلك {ليالي وأياما آمنين} سيروا فيها إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار، فإن الأمن فيها لا يختلف باختلاف الأوقات، أو لا تخافون عدوا ولا جوعا ولا عطشا.
- {فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا} قالوا: يا ليتها كانت بعيدة، فنسير على نجائبنا([14])، ونربح في التجارات، ونفاخر في الدواب والأسباب، بطروا النعمة([15]) وملوا العافية، فطلبوا الكد والتعب {وظلموا} بما قالوا {أنفسهم فجعلناهم أحاديث} يتحدث الناس بهم ويتعجبون من أحوالهم {ومزقناهم كل ممزق} وفرقناهم تفريقا اتخذه الناس مثلا مضروبا، يقولون: ذهبوا أيدي سبا، وتفرقوا أيادي سبا، فلحق غسان([16]) بالشام، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان {إن في ذلك لآيات لكل صبار} عن المعاصي {شكور} للنعم، أو لكل مؤمن، لأن الإيمان نصفه شكر ونصفه صبر([17]).
{ولقد صدق عليهم إبليس ظنه} أي حقق عليهم ظنه [أنهم بإغوائه يتبعونه] {فاتبعوه} الضمر لأهل سبأ، أو لبني ءادم، وقلل المؤمنين بقوله: {إلا فريقا من المؤمنين} لقلتهم، بالإضافة إلى الكفار.
([1]) لو كان غليظا يقسم الحلق، ولو كان ضعيفا يضطرب ولا يتماسك، معناه اجعل نسجه معتدلا، لا ضيقا ولا واسعا.
([2]) أي يأخذ القيلولة للراحة، ووقتها عند الظهر عند شدة الحر.
([3]) إصطخر فارس: بلدة بفارس وهي من أقدم مدنها وأشهرها، فتحت سنة 28هـ وسط إمارة عثمان رضي الله عنه.
([4]) كابل: هي اليوم عاصمة أفغانستان.
([6]) الصفر بالضم: الذي تعمل منه الأواني.
([7]) الجفنة: القصعة الكبيرة، وقيل: أعظم القصاع الجفنة، ثم القصعة تليها تشبع العشرة، ثم الصحفة تشبع الخمسة.
([8]) الأثافي: جمع الأثفية والإثفية بضم الألف وكسرها، وهو الحجر الذي توضع عليه القدر.
([11]) السكر بفتح السين وكسرها: السد على الماء.
([12]) الطرفاء: نوع من الشجر لا ثمر له.
([13]) السابلة: الجماعة المختلفة في الطرقات في حوائجهم.
([14]) النجيب والنجيبة من الإبل: المختارة التي يسابق عليها.
([17]) نصفه شكر أي عمل بالطاعات، ونصفه صبر أي كف النفس عن المعاصي.
