تفسير سورة النور من الآية واحد وخمسين إلى ستين
- تفسير سورة النور من الآية واحد وخمسين إلى ستين
إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون (51) ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون (52) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون (53) قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين (54) وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (55) وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون (56) لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير (57) يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (58) وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم (59) والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم (60) - {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم} النبي عليه الصلاة والسلام {بينهم} بحكم الله الذي أنزل عليه {أن يقولوا سمعنا} قوله {وأطعنا} أمره {وأولئك هم المفلحون} الفائزون.
- {ومن يطع الله} في فرائضه {ورسوله} في سننه {ويخش الله} على ما مضى من ذنوبه {ويتقه} فيما يستقبل {فأولئك هم الفائزون} هذه ءاية جامعة لأسباب الفوز.
- {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} حلف المنافقون بالله جهد اليمين، لأنهم بذلوا فيها مجهودهم {لئن أمرتهم ليخرجن} لئن أمرنا محمد بالخروج إلى الغزو لغزونا، أو بالخروج من ديارنا لخرجنا {قل لا تقسموا} لا تحلفوا كاذبين لأنه معصية {طاعة معروفة} أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة، أي الذي يطلب منكم طاعة معروفة معلومة لا يشك فيها ولا يرتاب، كطاعة الخلص من المؤمنين، لا أيمان تقسمون بها بأفواهكم وقلوبكم على خلافها {إن الله خبير بما تعملون} يعلم ما في ضمائركم، ولا يخفى عليه شيء من سرائركم، وإنه فاضحكم لا محالة، ومجازيكم على نفاقكم.
- {قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب على طريق الالتفات وهو أبلغ في تبكيتهم {فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم} فإن تتولوا فما ضررتموه وإنما ضررتم أنفسكم، فإن الرسول ﷺ ليس عليه إلا ما حمله الله تعالى وكلفه من أداء الرسالة، وأما أنتم فعليكم ما كلفتم من التلقي بالقبول والإذعان، فإن لم تفعلوا وتوليتم فقد عرضتم نفوسكم لسخط الله وعذابه {وإن تطيعوه تهتدوا} وإن أطعتموه فقد أحرزتم نصيبكم من الهدى، فالضرر والنفع عائدان إليكم {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} وما على الرسول إلا أن يبلغ ما له نفع في قبولكم، ولا عليه ضرر في توليكم. ثم ذكر المخلصين فقال:
- {وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات} الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام ولمن معه {ليستخلفنهم في الأرض} أرض الكفار، وقيل: أرض المدينة، والصحيح أنه عام {كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا} وعدهم الله أن ينصر الإسلام على الكفر، ويورثهم الأرض، ويجعلهم فيها خلفاء كما فعل ببني إسرائيل [المسلمين] حين أورثهم مصر والشام بعد إهلاك الجبابرة، وأن يمكن الدين الـمرتضى وهو دين الإسلام، وتمكينه: تثبيته وتعضيده.
وذلك أن رسول الله ﷺ وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين خائفين، ولما هاجروا كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه، حتى قال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فنزلت، فأنجز الله وعده، وأظهرهم على جزيرة العرب، وافتتحوا أبعد بلاد المشرق والمغرب، ومزقوا ملك الأكاسرة، وملكوا خزائنهم.
{يعبدونني لا يشركون بي شيئا} كأنه قيل: ما لهم يستخلفون ويؤمنون؟ فقال: يعبدونني موحدين {ومن كفر بعد ذلك} أي بعد الموعد، والمراد كفران النعمة {فأولئك هم الفاسقون} الكاملون في فسقهم حيث كفروا تلك النعمة الجسيمة وجسروا على غمطها([1])، قالوا: أول من كفر هذه النعمة قتلة عثمان رضي الله عنه، فاقتتلوا بعدما كانوا إخوانا وزال عنهم الخوف، والآية دليل على صحة خلافة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين، لأن المستخلفين الذي ءامنوا وعملوا الصالحات هم هم.
- {وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة وأطيعوا الرسول} فيما يدعوكم إليه، وكررت طاعة الرسول تأكيدا لوجوبها {لعلكم ترحمون} لكي ترحموا، فإنها من مستجلبات الرحمة.
ثم ذكر الكافرين فقال:
- {لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض} فائتين اله بألا يقدر عليهم فيها {ومأواهم النار ولبئس المصير} أي المرجع النار.
- {يا أيها الذين ءامنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} أمر بأن يستأذن العبيد والإماء {والذين لم يبلغوا الحلم منكم} والأطفال الذين لم يحتلموا من الأحرار {ثلاث مرات} في اليوم والليلة وهي {من قبل صلاة الفجر} لأنه وقت القيام من المضاجع وطرح ما ينام فيه من الثياب، ولبس ثياب اليقظة {وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة} وهي نصف النهار في القيظ لأنها وقت وضع الثياب للقيلولة {ومن بعد صلاة العشاء} لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم {ثلاث عورات لكم} سمي كل واحد من هذه الأحوال عورة لأن الإنسان يختل تستره فها {ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن} أي لا إثم عليكم ولا على المذكورين في الدخول بغير استئذان بعدهن، ثم بين العلة في ترك الاستئذان في هذه الأوقات بقوله: {طوافون عليكم} أي هم طوافون لحوائج البيت {بعضكم على بعض} بعضكم طائف على بعض، يطوفون عليكم للخدمة وتطوفون عليهم للاستخدام {كذلك يبين الله لكم الآيات} كما بين حكم الاستئذان يبين لكم غيره من الآيات التي احتجتم إلى بيانها {والله عليم} بمصالح عباده {حكيم} في بيان مراده.
- {وإذا بلغ الأطفال منكم} الأحرار دون المماليك {الحلم} الاحتلام، أي إذا بلغوا وأرادوا الدخول عليكم {فليستأذنوا} في جميع الأوقات {كما استأذن الذين من قبلهم} الذين بلغوا الحلم من قبلهم، وهم الرجال، والمعنى أن الأطفال مأذون لهم في الدخول بغير إذن غلا في العورات الثلاث، فإذا اعتاد الأطفال ذلك، ثم بلغوا بالاحتلام أو بالسن وجب أن يفطموا([2]) عن تلك العادة، ويحملوا على أن يستأذنوا في جميع الأوقات كالرجال الكبار الذين لم يعتادوا الدخول عليم إلا بإذن {كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم} بمصالح الأنام {حكيم} فيما بين من الأحكام.
{والقواعد} أي اللاتي قعدن عن الحيض والولد لكبرهن، [وقيل: عن الميل إليهن والافتتان بهن لكبرهن] {من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا} لا يطمعن فيه {فليس عليهن جناح} إثم {أن يضعن} في أن يضعن {ثيابهن} الظاهرة كالـملحفة([3]) والجلباب الذي فوق الخمار [عند المحارم من الرجال وغير المحارم من الغرباء] {غير متبرجات بزينة} غير مظهرات زينة، أي لا يقصدن بوضعها التبرج ولكن التخفيف، وحقيقة التبرج تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه {وأن يستعففن} يطلبن العفة عن وضع الثياب([4]) فيستترن {خير لهن والله سميع} لما يعلن {عليم} بما يقصدن.
([1]) أي: على عدم شكرها بترك الثبات على الطاعة، لأن شكر النعمة يكون بعدم المعصية فيها.
