تفسير سورة النور من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
- تفسير سورة النور من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون (31) وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم (32) وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم (33) ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين (34) الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم (35) في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال (36) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار (37) ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب (38) والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب (39) أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور (40) - {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن} أمرن بغض الأبصار، فلا يحل للمرأة أن تنظر من الأجنبي إلى ما تحت سرته إلى ركبتيه، وإن اشتهت غضت بصرها رأسا، ولا تنظر إلى المرأة إلا إلى مثل ذلك، وغض بصرها من الأجانب أصلا أولى بها، وإنما قدم غض الأبصار على حفظ الفروج، لأن النظر بريد الزنا([1]) ورائد الفجور([2]) {ولا يبدين زينتهن} الزينة: ما تزينت به المرأة من حلي أو خضاب، والمعنى: ولا يظهرن مواضع الزينة إذ إظهار عين الزينة وهي الحلي ونحوها مباح، فالمراد بها مواضعها، ومواضعها الرأس والأذن والعنق والصدر [ونحو ذلك] {إلا ما ظهر منها} إلا ما جرت العادة والجبلة([3]) على ظهوره، وهو الوجه والكفان والقدمان([4]) ففي سترها حرج بين؛ فإن المرأة لا تجد بدا من مزاولة الأشياء بيديها، ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصا في الشهادة والمحاكمة والنكاح، وتضطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها، وخاصة الفقيرات منهن {وليضربن بخمرهن} جمع خمار {على جيوبهن} كانت جيوبهن واسعة تبدو منها صدورهن وما حواليها، وكن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى مكمشوفة فأمرن بأن يسدلنها من قدامهن حتى تغطينها {ولا يبدين زينتهن} أي مواضع الزينة الباطنة كالصدر والساق والرأس ونحوها {إلا لبعولتهن} لأزواجهن، جمع بعل {أو ءابائهن} ويدخل فيهم الأجداد {أو آباء بعولتهن} فقد صاروا محارم {أو أبنائهن} ويدخل فيهم النوافل([5]) {أو أبناء بعولتهن} فقد صاروا محارم أيضا {أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن} ويدخل فيهم النوافل وسائر المحارم كالأعمام والأخوال وغيرهم دلالة {أو نسائهن} أي الحرائر، لأن مطلق هذا اللفظ يتناول الحرائر {أو ما ملكت أيمانهن} أي: إمائهن، ولا يحل لعبدها أن ينظر إلى هذه المواضع {أو التابعين غير أولي الإربة} الحاجة، أي إلى النساء، قيل: هم الذين يتبعونكم ليصيبوا من فضل طعامكم ولا حاجة لهم إلى النساء لأنهم بلة لا يعرفون شيئا من أمرهن {من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} لم يطلعوا لعدم الشهوة، أو لم يبلغوا أوان القدرة على الوطء {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} كانت المرأة تضرب الأرض برجليها إذا مشت لتسمع قعقعة خلخالها فيعلم أنها ذات خلخال، فنهين عن ذلك {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} العبد لا يخلو عن سهو وتقصير في أوامره ونواهيه وإن اجتهد، فلذا وصى المؤمنين جميعا بالتوبة وبتأميل الفلاح إذا تابوا، وقيل: أحوج الناس إلى التوبة من توهم أنه ليس له حاجة إلى التوبة، وظاهر الآية يدل على أن العصيان لا ينافي الإيمان.
- {وأنكحوا الأيامى منكم} الأيامى: جمع أيم وهو من لا زوج له رجلا كان أو امرأة، بكرا كان أو ثيبا {والصالحين} الخيرين أو المؤمنين، والمعنى: زوجوا من تأيم منكم من الأحرار والحرائر ومن كان فيه صلاح {من عبادكم وإمائكم} من غلمانكم وجواريكم، والأمر للندب إذ النكاح مندوب إليه {إن يكونوا فقراء} من المال {يغنهم الله من فضله} بالكفاية أو القناعة، أو باجتماع الرزقين {والله واسع} غني ذو سعة لا يرزؤه([6]) إغناء الخلائق {عليم} يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.
- {وليستعفف} وليجتهد في العفة {الذين لا يجدون نكاحا} استطاعة تزوج من المهر والنفقة {حتى يغنيهم الله من فضله} حتى يقدرهم على المهر والنفقة، قال عليه الصلاة والسلام: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء([7])». فانظر كيف رتب هذه الأوامر فأمر أولا بما يعصم من الفتنة ويبعد عن مواقعة المعصية، وهو غض البصر، ثم بالنكاح الـمحصن للدين المغني عن الحرام، ثم بعزف([8]) النفس الأمارة بالسوء عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح إلى أن تقدر عليه {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم} أي المماليك الذين يطلبون الكتابة {فكاتبوهم} وهو للندب، وهو أن يقول لمملوكه: كاتبتك على ألف درهم [مثلا]، فإن أداها عتق، ومعناه: كتبت لك على نفسي أن تعتق مني إذا وفيت بالمال وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك، ويجوز حالا ومؤجلا ومنجما وغير منجم لإطلاق الأمر {إن علمتم فيهم خيرا} قدرة على الكسب، أو أمانة وديانة {وءاتوهم من مال الله الذي ءاتاكم} أمر للمسلمين على وجه الوجوب بإعانة المكاتبين، وإعطائهم سهمهم من الزكاة لقوله تعالى: {وفي الرقاب} [التوبة: 60] {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} كان لابن أبي ست جوار يكرههن على البغاء وضرب عليهن الضرائب، فشكت اثنتان منهن إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فنزلت، ويكنى بالفتى والفتاة عن العبد والأمة، والبغاء: الزنا للنساء خاصة {إن أردن تحصنا} تعففا عن الزنا، وإنما قيده بهذا الشرط [ولا مفهوم للشرط هنا] لأن الإكراه لا يكون إلا مع إرادة التحصن، وفيه توبيخ للموالي، أي إذا رغبن بالتحصن فأنتم أولى بذلك {لتبتغوا عرض الحياة الدنيا} لتبتغوا بإكراههن على الزنا أجورهن وأولادهن {ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} أي لهن، ولعل الإكراه كان دون ما اعتبرته الشريعة، وهو الذي يخاف منه التلف([9])، فكانت ءاثمة، أو لهم إذا تابوا.
- {ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات} أي بينت الأحكام والحدود {ومثلا من الذين خلوا من قبلكم} ومثلا من أمثال من قبلكم، أي قصة عجيبة من قصصهم كقصة يوسف ومريم، يعني قصة عائشة رضي الله عنها {وموعظة} ما وعظ به من الآيات والـمثل {للمتقين} أي هم المنتفعون بها وإن كانت موعظة للكل.
- {الله نور السماوات والأرض} المعنى ذو نور السماوات، ونور السماوات والأرض الحق، شبهه بالنور في ظهوره وبيانه، وجاز أن المراد أهل السماوات والأرض وأنهم يستضيئون به، [أي الله هادي أهل السماوات وأهل الأرض إلى ما بهم الحاجة إليه في مصالح دينهم ودنياهم، وهي كلمة مطلقة في هذا المعنى، يقال: فلان نور بلده، أي به يهتدون إلى أمورهم] {مثل نوره} صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة {كمشكاة} كصفة مشكاة وهي الكوة في الجدار غير النافذة {فيها مصباح} سراج ضخم ثاقب {المصباح في زجاجة} في قنديل من زجاج {الزجاجة كأنها كوكب دري} مضيء منسوب إلى الدر لفرط ضيائه وصفائه {يوقد} هذا المصباح {من شجرة} أي ابتداء توقده من زيت شجرة الزيتون، يعني رويت ذبالته([10]) بزيتها {مباركة} كثيرة المنافع، أو لأنها نبتت في الأرض التي بورك فيها للعالمين، وقيل: بارك فيها([11]) سبعون نبيا منهم إبراهيم عليه السلام {زيتونة لا شرقية ولا غربية} منبتها الشام، يعني ليست من المشرق ولا من المغرب بل في الوسط منهما وهو الشام، وأجود الزيتون زيتون الشام {يكاد زيتها} دنها {يضيء ولو لم تمسسه نار} وصف الزيت بالصفاء والوميض، وأنه لتلألئه يكاد يضيء من غير نار {نور على نور} أي نور متضاعف قد تناصر فيه المشكاة والزجاجة والـمصباح والزيت حتى لم تبق بقية مما يقوي النور، وهذا لأن المصباح إذا كان في مكان متضايق كالمشكاة كان أجمع لنوره بخلاف المكان الواسع، فإن الضوء ينتشر فيه، والقنديل أعون شيء على زيادة الإنارة، وكذلك الزيت وصفاؤه. {يهدي الله لنوره} لهذا النور الثاقب {من يشاء} من عباده، أي يوفق لإصابة الحق من يشاء من عباده بإلهام من الله أو بنظره في الدليل {ويضرب الله الأمثال للناس} تقريبا إلى أفهامهم ليعتبروا فيؤمنوا {والله بكل شيء عليم} فيبين كل شيء بما يمكن أن يعلم به، وقال ابن عباس رضي الله عنه: مثل نوره أي نور الله الذي هدى به المؤمن.
- {في بيوت} أي كمشكاة في بعض بيوت الله، وهي المساجد {أذن الله} أي أمر {أن ترفع} تبنى، أو تعظم، من الرفعة {ويذكر فيها اسمه} يتلى فيها كتابه، أو هو عام في كل ذكر {يسبح له فيها بالغدو والآصال} يصلي له فيها بالغداة صلاة الفجر وبالآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين، وإنما وحد الغدو لأن صلاته صلاة واحدة، وفي الآصال صلوات، والآصال: جمع أصل جمع أصيل وهو العشي([12]).
- {رجال لا تلهيهم} لا تشغلهم {تجارة} في السفر {ولا بيع} في الحضر، أو خص البيع بعدما عم لأنه أوغل في الإلهاء من الشراء، لأن الربح في البيعة الرابحة يقين وفي الشراء مظنون {عن ذكر الله} باللسان والقلب {وإقام الصلاة} وعن إقامة الصلاة {وإيتاء الزكاة} وعن إيتاء الزكاة {يخافون يوما} أي يوم القيامة {تتقلب فيه القلوب} ببلوغها إلى الحناجر {والأبصار} بالشخوص والزرقة([13]).
- {ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله} أي يسبحون ويخافون ليجزيهم الله أحسن جزاء أعمالهم ويزيدهم على الثواب الموعود على العلم تفضلا {والله يرزق من يشاء بغير حساب} يثيب من يشاء ثوابا لا يدخل في حساب الخلق، هذه صفات المهتدين بنور الله. فأما الذين ضلوا عنه فالمذكورون في قوله:
- {والذين كفروا أعمالهم كسراب} هو ما يرى في الفلاة من ضوء الشمس وقت الظهيرة يسرب([14]) على وجه الأرض كأنه ماء يجري {بقيعة} جمع قاع وهو الـمنبسط المستوي من الأرض {يحسبه الظمآن} يظنه العطشان {ماء حتى إذا جاءه} أي جاء إلى ما توهم أنه ماء {لم يجده شيئا} لم يجده كما ظنه {ووجد الله عنده} [أي وجد الكافر عقاب الله لكفره وسيئاته عنده معدا له عند قدومه]، شبه ما يعمله من لا يعتقد الإيمان ولا يتبع الحق من الأعمال الصالحة التي يحسبها تنفعه عند الله وتنجيه من عذابه ثم يخيب في العاقبة أمله ويلقى خلاف ما قدر بسراب يحسبه ماء فيأتيه فلا يجد ما رجاه، ويجد زبانية الله عنده يأخذونه فيعتلونه([15]) إلى جهنم فيسقونه الحميم والغساق {فوفاه حسابه} أعطاه جزاء عمله وافيا كاملا {والله سريع الحساب} لأنه لا يحتاج إلى عد وعقد، [ولأن كلامه تعالى ليس حرفا وصوتا فلا] يشغله حساب عن حساب.
{أو كظلمات في بحر لجي} عميق كثير الماء {يغشاه} يغشى البحر أي يعلوه ويغطيه {موج} هو ما ارتفع من الماء {من فوقه موج} من فوق الموج موج ءاخر {من فوقه سحاب} من فوق الموج الأعلى سحاب {ظلمات} أي هذه ظلمات، ظلمة السحاب وظلمة الموج وظلمة البحر {بعضها فوق بعض} ظلمة الموج على ظلمة البحر، وظلمة الموج على الموج وظلمة السحاب على الموج {إذا أخرج يده} أي الواقع فيه {لم يكد يراها} لم يقرب أن يراها فضلا عن أن يراها؛ شبه أعمالهم أولا في فوات نفعها وحضور ضررها بسراب لم يجده من خدعه من بعيد شيئا، ولم يكفه خيبة كغيره من السراب حتى وجد عنده الزبانية تعتله([16]) إلى النار، وشبهها ثانيا في ظلمتها وسوادها – لكونها باطلة، وفي خلوها عن نور الحق- بظلمات متراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} من لم يهده الله لم يهتد.
([4]) هذا عند الحنفية، وأما عند الشافعة فلا يجوز للمرأة كشف القدمين.
([6]) أي لا ينضر بإغناء الخلائق.
([9]) قال الرازي في تفسيره: الإكراه إنما يحصل متى حصل التخويف بما يقتضي تلف النفس، فأما باليسير من الخوف فلا تصير مكرهة، فحال الإكراه على الزنا كحال الإكراه على كلمة الكفر.
([12]) العشي: ما بعد الزوال، ثم قبل إلى غروب الشمس، وقيل: يدخل فيه وقت المغرب والعشاء.
([13]) الشخوص: فتح العينين مع دم طرفهما، والزرقة: انقلاب العين وظهور بياضها.
([16]) من العتل المراد في الآية {خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم} [الدخان: 47] أي فجروه بغلظة وشدة.
