تفسير سورة النور من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
- تفسير سورة النور من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون (41) ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير (42) ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار (43) يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (44) والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (45) لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (46) ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين (47) وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون (48) وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين (49) أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون (50) - {ألم تر} ألم تعلم يا محمد علما يقوم مقام العيان في الإيقان {أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات} يصففن أجنحتهن في الهواء {كل قد علم صلاته وتسبيحه} لا يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها {والله عليم بما يفعلون} ل يعزب عن علمه شيء.
- {ولله ملك السماوات والأرض} لأنه خالقهما {وإلى الله المصير} مرجع الكل.
- {ألم تر أن الله يزجي سحابا} يسوقه إلى حيث يريد {ثم يؤلف بينه} يضم بعضه إلى بعض {ثم يجعله ركاما} متراكما بعضه فوق بعض {فترى الودق} المطر {يخرج من خلاله} من فتوقه ومخارجه {وينزل من السماء} لأن ابتداء الإنزال من السماء {من جبال فيها} لأن ما ينزله الله بعض تلك الجبال التي في السماء {من برد} معناه أنه ينزل البرد من السماء من جبال فيها، يخلق الله في السماء جبال برد كما خلق في الأرض جبال حجر، أو يريد الكثرة بذكر الجبال، كما يقلا: فلان يملك جبالا من ذهب {فيصيب به} بالبرد {من يشاء} يصيب الإنسان وزرعه {ويصرفه عن من يشاء} فلا يصيبه، أو يعذب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء {يكاد سنا برقه} [ضوء برق السحاب] {يذهب بالأبصار} يخطفها.
- {يقلب الله الليل والنهار} يصرفهما في الاختلاف طولا وقصرا، أو التعاقب {إن في ذلك} في إزجاء السحاب([1]) وإنزال الودق والبرد وتقليب الليل والنهار {لعبرة لأولي الأبصار} لذوي لعقول، وهذا من تعديد الدلائل على ربوبيته حيث ذكر تسبيح من في السماوات والأرض وما يطير بينهما ودعاءهم له وتسخير السحاب إلى ءاخر ما ذكر فهي براهين لائحة على وجوده، ودلائل على صفاته لمن نظر وتدبر. ثم بين دليلا ءاخر، فقال تعالى:
- {والله خلق كل دابة} كل حيوان يدب على وجه الأرض {من ماء} من نوع من الماء مختص بتلك الدابة، أو من ماء مخصوص وهو النطفة، ثم خالف بين المخلوقات من النطفة، فمنها هوام، ومنها بهائم، ومنها أناسي وهذا دليل على أن لها خالقا ومدبرا، وإلا لم تختلف لاتفاق الأصل {فمنهم من يمشي على بطنه} كالحية والحوت {ومنهم من يمشي على رجلين} كالإنسان والطير {ومنهم من يمشي على أربع} كالبهائم، وقدم ما هو أعرق في القدرة([2]) وهو الماشي بغير آلة مشي من أرجل أو غيرها، ثم الماشي على رجلين، ثم الماشي على أربع {يخلق الله ما يشاء} كيف يشاء {إن الله على كل شيء قدير} لا يتعذر عليه شيء.
- {لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء} بلطفه ومشيئته {إلى صراط مستقيم} دين الإسلام الذي يوصل إلى جنته، فالآيات لإلزام حجته.
لما ذكر إنزال الآيات ذكر بعدها افتراق الناس إلى ثلاث فرق: فرقة صدقت ظاهرا وكذبت باطنا وهم المنافقون، وفرقة صدقت ظاهرا وباطنا وهم المخلصون، وفرقة كذبت ظاهرا وباطنا وهم الكافرون وبدأ بالمنافقين فقال:
- {ويقولون آمنا بالله وبالرسول} بألسنتهم {وأطعنا} الله والرسول {ثم يتولى} يعرض عن الانقياد لحكم الله ورسوله {فريق منهم من بعد ذلك} من بعد قولهم: ءامنا بالله وبالرسول وأطعنا {وما أولئك بالمؤمنين} الـمخلصين، وهو إشارة إلى القائلين: ءامنا وأطعنا لا إلى الفريق المتولي وحده، وفيه إعلام من الله بأن جميعهم منتف عنهم الإيمان لاعتقادهم ما يعتقد هؤلاء، والإعراض وإن كان من بعضهم فالرضا بالإعراض من كلهم.
- {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم} رسول الله [وذكر الدعاء إلى الله ورسوله لأن الدعاء إلى الرسول دعاء إلى الله لأنه يحكم بينهم بأمره] {إذا فريق منهم معرضون} نزلت في بر المنافق وخصمه اليهودي حين اختصما في أرض، فجعل اليهودي يجره إلى رسول الله ﷺ، والمنافق إلى كعب بن الأشرف ويقول: إن محمدا يحيف([3]) علينا.
- {وإن يكن لهم الحق} إذا كان الحق لهم على غيرهم {يأتوا إليه} إلى الرسول {مذعنين} مسرعين في الطاعة طلبا لحقهم لا رضا بحكم رسولهم، والمعنى أنهم لمعرفتهم أنه ليس معك إلا الحق المر والعدل البحت يمتنعون عن المحاكمة إليك إذا ركبهم الحق لئلا تنتزعه من أحداقهم بقضائك عليهم لخصومهم، وإن ثبت لهم حق على خصم أسرعوا إليك ولم يرضوا إلا بحكومتك.
{أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله} قسم الأمر في صدودهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم بأن يكونوا مرضى القلوب منافقين، أو مرتابين في أمر نبوته، أو خائفين الحيف في قضائه، ثم أبطل خوفهم حيفه بقوله: {بل أولئك هم الظالمون} لا يخافون أن يحيف عليهم لمعرفتهم بحاله، وإنما هم ظالمون يريدون أن يظلموا من له الحق عليهم، وذلك شيء لا يستطيعونه في مجلس رسول الله عليه الصلاة والسلام، فمن ثم يأبون المحاكمة إليه.
([2]) أعرق بمعنى أدخل، والمراد هنا ما هو أكبر وأظهر دلالة على عظيم قدرة الله تعالى.
([3]) أي يميل في الحكم ويجور ويظلم، وهو – أي المنافق لعنه الله- عالم في باطنه أن النبي ﷺ أعدل الناس وأبعدهم عن الجور والظلم.
