تفسير سورة النور من الآية أحد عشر إلى عشرين
- تفسير سورة النور من الآية أحد عشر إلى عشرين
إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم (11) لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين (12) لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون (13) ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم (14) إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم (15) ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم (16) يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين (17) ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (18) إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون (19) ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم (20) - {إن الذين جاؤوا بالإفك} هو أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء، والمراد ما أفك به على عائشة رضي الله عنها، قالت عائشة: فقدت عقدا في غزوة بني المصطلق، فتخلفت، ولم يعرف خلو الهودج لخفتي، فلما ارتحلوا أناخ لي صفوان بن الـمعطل([1]) بعيره وساقه حتى أتاهم بعدما نزلوا، فهلك في من هلك، فاعتللت شهرا، وكان عليه الصلاة والسلام يسأل: «كيف أنت؟»، ولا أرى منه لطفا كنت أراه، حتى عثرت خالة أبي أم مسطح([2])، فقالت: تعس مسطح، فأنكرت عليها فأخبرتني بالإفك، فلما سمعت ازددت مرضا وبت عند أبوي لا يرقأ لي دمع وما أكتحل بنوم، وهما يظنان أن الدمع فالق كبدي، حتى قال عليه الصلاة والسلام: «أبشري يا حميراء فقد أنزل الله براءتك»([3]) {عصبة} جماعة من العشرة إلى الأربعين، وهم: عبد الله بن أبي رأس النفاق وزيد بن رفاعة وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم {منكم} من جماعة المسلمين، وهم ظنوا أن الإفك {لا تحسبوه} أي الإفك {شرا لكم} عند اله {بل هو خير لكم} لأن الله أثابكم عليه، وأنزل في البراءة منه ثماني عشرة ءاية، والخطاب لرسول الله ﷺ وأبي بكر وعائشة وصفوان ومن ساءه ذلك من المؤمنين {لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم} أي على كل امرئ من العصبة جزاء إثمه على مقدار خوضه فيه، وكان بعضهم ضحك، وبعضهم تكلم فيه، وبعضهم سكت {والذي تولى كبره} عظمه عبد الله بن أبي {منهم} من العصبة {له عذاب عظيم} أي جهنم.
ثم وبخ الخائضين فقال:
- {لولا} هلا {إذ سمعتموه} أي الإفك {ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم} بالذين منهم، فالمؤمنون كنفس واحدة، وهو كقوله تعالى: {ولا تلمزوا أنفسكم} [الحجرات: 11] {خيرا} عفافا وصلاحا {وقالوا هذا إفك مبين} كذب ظاهر لا يليق بهما.
- {لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء} هلا جاؤوا على القذف لو كانوا صادقين بأربعة شهداء {فإذ لم يأتوا بالشهداء} الأربعة {فأولئك عند الله} في حكمه وشريعته {هم الكاذبون} أي القاذفون، لأن الله تعالى جعل التفصلة بين الرمي الصادق والكاذب ثبوت شهادة الشهود الأربعة وانتفاءها، والذين رموا عائشة رضي الله عنها لم يكن لهم بينة على قولهم فكانوا كاذبين.
- {ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم} ولولا أني قضيت أن أتفضل عليكم في الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة، وأن أترحم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة، لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك.
- {إذ تلقونه} يأخذه بعضكم من بعض {بألسنتكم} أي أن بعضكم كان يقول لبعض: هل بلغك حديث عائشة؟ حتى شاع فيما بينهم وانتشر، فلم يبق بيت ولا ناد([4]) إلا طار فيه {وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم} إنما قيده بالأفواه مع أن القول لا يكون إلا بالفم، لأن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب ثم يترجم عنه اللسان، وهذا الإفك ليس إلا قولا يدور في أفواهكم من غير ترجمة عن علم به في القلب {وتحسبونه} أي خوضكم في عائشة رضي الله عنها {هينا} صغيرة {وهو عند الله عظيم} كبيرة.
- {ولولا} وهلا {إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا} هلا قلتم إذ سمعتم الإفك: ما يصح لنا أن نتكلم بهذا {سبحانك} للتعجب من عظم الأمر، ومعنى التعجب في كلمة التسبيح أن الأصل أن يسبح الله عند رؤية العجيب من صنائعه، ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه، أو لتنزيه اله من أن تكون حرمة([5]) نبيه فاجرة، وإنما جاز أن تكون امرأة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط ولم يجز أن تكون فاجرة لأن النبي مبعوث إلى الكفار ليدعوهم، فيجب ألا يكون معه ما ينفرهم عنه والكفر غير منفر عندهم، وأما الكشخنة([6]) فمن أعظم المنفرات {هذا بهتان عظيم} زور [شنيع يبهت سامعه لفظاعته]، وذكر فيما تقدم {هذا إفك مبين} ويجوز أن يكونوا أمروا بهما مبالغة في التبري.
- {يعظكم الله أن تعودوا} في أن تعودوا {لمثله} لمثل هذا الحديث من القذف أو استماع حديثه {أبدا} ما دمتم أحياء مكلفين {إن كنتم مؤمنين} فيه تهييج لهم ليتعظوا وتذكير بما يوجب ترك العود، وهو الإيمان الصاد عن كل قبيح.
- {ويبين الله لكم الآيات} الدلالات الواضحات أو أحكام الشرائع والآداب الجميلة {والله عليم} بكم وبأعمالكم {حكيم} يجزي على وفق أعمالكم، أو علم صدق نزاهتها وحكم ببراءتها.
- {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ءامنوا} أي يشيعون الفاحشة عن قصد من الإشاعة، ومحبة لها {لهم عذاب أليم في الدنيا} بالحد، ولقد ضرب النبي ﷺ ابن أبي وحسانا ومسطحا الحد {والآخرة} بالنار وغيرها إن لم يتوبوا {والله يعلم} بواطن الأمور وسرائر الصدور {وأنتم لا تعلمون} أنه قد علم محبة من أحب الإشاعة وهو معاقب عليها.
{ولولا فضل الله عليكم ورحمته} لعجل لكم العذاب، وكرر الـمنة بترك المعاجلة بالعقاب مع حذف الجواب مبالغة في المنة عليهم والتوبيخ لهم {وأن الله رءوف} حيث أظهر براءة المقذوف وأثاب {رحيم} بغفرانه جناية القاذف إذا تاب.
([1]) صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني كان على ساقة العسكر يلتقط ما يسقط من المتاع، قتل شهيدا في زمن معاوية.
([3]) حديث الإفك رواه الشيخان في صحيحهما وغيرهما.
