تفسير سورة النمل من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
- تفسير سورة النمل من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين (31) قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون (32) قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين (33) قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون (34) وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون (35) فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون (36) ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون (37) قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين (38) قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين (39) قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم (40) - {ألا تعلوا علي} لا تترفعوا ولا تتكبروا كما يفعل الملوك {وأتوني مسلمين} مؤمنين أو منقادين، وكتب الأنبياء مبنية على الإيجاز والاختصار.
- {قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري} أشيروا علي في الأمر الذي نزل بي [بما عندكم] من الرأي {ما كنت قاطعة أمرا} فاصلة أو ممضية حكما {حتى تشهدون} تحضروني وتشهدوا أنه صواب، أي لا أبت أمرا إلا بمحضركم.
- {قالوا} مجيبين لها: {نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد} أرادوا بالقوة قوة الأجساد والآلات، وبالبأس النجدة([1]) والبلاء في الحرب {والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين} هو موكول إليك ونحن مطيعون لك فمرينا بأمرك نطعك ولا نخالفك، كأنهم أشاروا عليها بالقتال، أو أرادوا نحن من أبناء الحرب لا من أبناء الرأي والمشورة وأنت ذات الرأي والتدبير، فانظري ماذا ترين نتبع رأيك. فلما أحست منهم الميل إلى المحاربة مالت إلى المصالحة ورتبت الجواب، فزيفت([2]) أولا ما ذكروه وأرتهم الخطأ فيه.
- {قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية} عنوة وقهرا {أفسدوها} خربوها {وجعلوا أعزة أهلها أذلة} أذلوا أعزتها وأهانوا أشرافها وقتلوا وأسروا، فذكرت لهم سوء عاقبة الحرب، ثم قالت: {وكذلك يفعلون} أرادت وهذه عادتهم المستمرة التي لا تتغير، لأنها كانت في بيت الـملك القديم، فسمعت نحو ذلك ورأت، ثم ذكرت بعد ذلك حديث الهدية وما رأت من الرأي السديد.
- {وإني مرسلة إليهم بهدية} مرسلة رسلا بهدية {فناظرة} فمنتظرة {بم يرجع المرسلون} بقبولها أم بردها، لأنها عرفت عادة الملوك وحسن مواقع الهدايا عندهم، فإن كان ملكا قبلها وانصرف، وإن كان نبيا ردها ولم يرض منا إلا أن نتبعه على دينه، فبعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهن، راكبي خيل مغشاة بالديباج محلاة اللجم والسروج بالذهب المرصع بالجواهر، وخمسمائة جارية على رماك([3]) في زي الغلمان، وألف لبنة من ذهب وفضة، وتاجا مكللا بالدر والياقوت، وحقا([4]) فيه درة عذراء([5])، وجزعة([6]) معوجة الثقب، وبعثت رسلا وأمرت عليهم المنذر بن عمرو. وكتبت كتابا فيه نسخة الهدايا وقالت فيه: إن كنت نبيا فميز بين الوصفاء والوصائف، وأخبر بما في الحق، واثقب الدرة ثقبان واسلك في الخرزة خيطا، ثم قالت للمنذر: إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك فلا يهولنك منظره، وإن رأيته بشاشا لطيفا فهو نبين فأقبل الهدهد وأخبر سليمان الخبر كله، فأـمر سليمان الجن فضربوا لبنات الذهب والفضة وفرشوها في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ، وجعلوا حول الميدان حائطا شرفه من الذهب والفضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر فربطوها عن يمين الـميدان ويساره على اللبنات، وأمر بأولاد الجن وهم خلق كثير فأقيموا عن اليمين واليسار، ثم قعد على سريره والكراسي من جانبيه، واصطفت الشياطين صفوفا فراسخ، والإنس صفوفا فراسخ، والوحش والسباع والطيور والهوام كذلك، فلما دنا القوم ورأوا الدواب تروث على اللبن رموا بما معهم من الهدايا، ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم سليمان بوجه طلق، فأعطوه كتاب الملكة، فنظر فيه وقال: أين الحقن فأمر الأرضة، فأخذت شعرة ونفذت في الدرة، وأخذت دودة بيضاء الخيط بفيها، ونفذت فيها([7])، ودعا بالماء، فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها، والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه، ثم رد الهدية وقال للمنذر: ارجع إليهم.
- {فلما جاء} رسولها المنذر بن عمرو {سليمان قال أتمدونن بمال} والخطاب للرسل {فما ءاتاني الله} من النبوة والـملك والنعمة {خير مما ءاتاكم} من زخارف الدنيا {بل أنتم بهديتكم تفرحون} أنتم قوم لا تعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا، فلذلك تفرحون بما يهدى إليكم، لأن ذلك مبلغ همتكم، وحالي خلاف حالكم وما أرضى منكم بشيء ولا أفرح به إلا بالإيمان وترك المجوسية.
- {ارجع} خطاب للرسول أو الهدهد محملا كتابا ءاخر {إليهم} بلقيس وقومها {فلنأتينهم بجنود لا قبل} لا طاقة {لهم بها} وحقيقة القبل المقاومة والمقابلة، أي لا يقدرون أن يقابولها {ولنخرجنهم منها} من سبأ {أذلة وهم صاغرون} الذل أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العز والـملك، والصغار أن يقعوا في أسر واستعباد، فلما رجع إليها رسولها بالهدايا وقص عليها القصة قالت: هو نبي وما لنا به طاقة، ثم جعلت عرشها في ءاخر سبعة أبيات، وغلقت الأبواب، ووكلت به حرسا يحفظونه، وبعثت إلى سليمان؛ إني قادمة إليك لأنظر ما الذي تدعو إليه، وشخصت إليه في اثني عشر ألف قيل([8])، تحت كل قيل ألوف، فلما بلغت على رأس فرسخ من سليمان.
- {قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين} أراد أن يريها بذلك بعض ما خصه الله تعالى به من إجراء العجائب على يده مع إطلاعها على عظم قدرة الله تعالى وعلى ما يشهد لنبوة سليمان.
- {قال عفريت من الجن} وهو الخبيث المارد واسمه ذكوان {أنا ءاتيك به قبل أن تقوم من مقامك} مجلس حكمك وقضائك {وإني عليه} على حمله {لقوي أمين} ءاتي به كما هو لا ءاخذ منه شيئا ولا أبدله، فقال سليمان عليه السلام: أريد أعجل من هذا.
{قال الذي عنده علم من الكتاب} ءاصف بن برخيا كاتب سليمان وكان عنده اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب {أنا ءاتيك به} بالعرش {قبل أن يرتد إليك طرفك} [معناه] أنك ترسل طرفك إلى شيء، فقبل أن ترده أبصرت العرش بين يديك، يروى أن ءاصف قال لسليمان عليه السلام: مد عينيك حتى ينتهي طرفك، فمد عينيه فنظر نحو اليمن فدعا ءاصف فغار العرش في مكانه ثم نبع عند مجلس سليمان بقدرة الله تعالى قبل أن يرتد طرفه {فلما رءاه} أي العرش {مستقرا عنده} ثابتا لديه غير مضطرب {قال هذا} أي حصول مرادي، وهو حضور العرش في مدة ارتداد الطرف {من فضل ربي} علي وإحسانه إلي بلا استحقاق مني {ليبلوني أأشكر} ليمتحنني أأشكر إنعامه {أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه} لأنه يحط به عنها عبء الواجب ويصونها عن سمة الكفران ويستجلب به المزيد وترتبط به النعمة {ومن كفر} بترك الشكر على النعمة {فإن ربي غني} عن الشكر {كريم} بالإنعام على من يكفر نعمته.
([3]) الرماك: جمع رمكة وهي الأنثى من البراذين أي الدواب.
([4]) الحق والحقة: وعاء منحوت من خشب أو عاج أو غيرهما مما يصلح أن ينحت منه.
([6]) جزعة: خرزة يمانية فيها بياض وسواد تشبه بها الأعين.
([8]) القيل: الملك من ملوك حمير، وأصله قيل، وقيل هو دون الـملك الأعلى.
