تفسير سورة النمل من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
- تفسير سورة النمل من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون (41) فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين (42) وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين (43) قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين (44) ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون (45) قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون (46) قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون (47) وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون (48) قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون (49) ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (50) - {قال نكروا لها عرشها} غيروا أي اجعلوا مقدمه مؤخره وأعلاه أسفله {ننظر أتهتدي} إلى معرفة عرشها {أم تكون من الذين لا يهتدون} [أم لا تعقله ولا تعرفه].
- {فلما جاءت} بلقيس {قيل أهكذا عرشك} ولم يقل: أهذا عرشك، لئلا يكون تلقينا {قالت كأنه هو} فأجابت أحسن جواب، فلم تقل: هو هو، ولا: ليس به، وذلك من رجاحة عقلها حيث لم تقطع في المحتمل للأمرين {وأوتينا العلم من قبلها} من كلام سليمان وملئه عطفوا على كلامها قولهم: وأوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة ما جاء من عنده قبل علمها، أو أوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها {وكنا مسلمين} [ولم نزل نحن على دين الإسلام] منقادين لك مطيعين لأمرك.
- {وصدها ما كانت تعبد من دون الله} وصدها عن العلم بما علمناه، أو عن التقدم إلى الإسلام عبادة الشمس ونشؤها بين أظهر الكفرة، ثم بين نشأها بين الكفرة بقوله: {إنها كانت من قوم كافرين}.
- {قيل لها ادخلي الصرح} القصر أو صحن الدار، روي أن سليمان أمر قبل قدومها فبني له على طريقها قصر من زجاج أبيض، وأجرى من تحته الماء، وألقى فيه السمك وغيره، ووضع سريره في صدره، فجلس عليه، وعكف عليه الطير والجن والإنس، وإنما فعل ذلك لزيدها استعظاما لأمره وتحقيقا لنبوته {فلما رأته حسبته لجة} ماء عظيما [ففزعت منه، وتعجبت من كون كرسي سليمان على الماء، ولما لم يكن بد من امتثال الأمر أرادت خوضه] {وكشفت عن ساقيها} [كعادة من كان لابسا وأراد أن يخوض الماء إلى مقصد له، ولم يكن القمصود من الصرح إلا تهويل الأمر، وحصل كشف الساق على سبيل التبع] {قال} لها [سليمان بعد أن صرف بصره عنها] {إنه صرح ممرد} مملس مستو {من قوارير} من الزجاج {قالت رب إني ظلمت نفسي} بعبادة الشمس {وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} قال المحققون: لا يحتمل أن يحتال سليمان لينظر إلى ساقيها وهي أجنبية، فلا يصح القول بمثله([1]).
- {ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم} في النسب {صالحا أن اعبدوا الله} وحدوه {فإذا هم فريقان يختصمون} فإذا قوم صالح فريقان: مؤمن به وكافر به يختصمون، فيقول كل فريق: الحق معي، وقال الفريق الكافر: {يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين} [الأعراف: 77].
- {قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة} بالعذاب الذي توعدون {قبل الحسنة} قبل التوبة [فتؤخرونها إلى نزول العقاب، فإنهم كانوا يقولون: إن صدق إيعاده تبنا حينئذ] {لولا} هلا {تستغفرون الله} تطلبون المغفرة من كفركم بالتوبة والإيمان، قبل نزول العذاب بكم {لعلكم ترحمون} بالإجابة.
- {قالوا اطيرنا بك} تشاءمنا بك، لأنهم قحطوا عند مبعثه لتكذيبهم، فنسبوه إلى مجيئه {وبمن معك} من المؤمنين {قال طائركم عند الله} سببكم الذي يجيء منه خيركم وشركم عند الله، وهو قدره وقسمته، أو عملكم مكتوب عند الله، فمنه نزل بكم ما نزل عقوبة لكم وفتنة، وأصله [أنه كان المسافر منهم] إذا مر بطائر فيزجره فإذا مر سانحا([2]) تيمن وإذا مر بارحا([3]) تشأم، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير لما كان سببهما من قدر الله وقسمته، أو من عمل العبد الذي هو السبب في الرحمة والنقمة {بل أنتم قوم تفتنون} تختبرون([4])، أو تعذبون بذنبكم.
- {وكان في المدينة} مدينة ثمود {تسعة رهط} تسعة أنفس، رأسهم قدار بن سالف، وهم الذين سعوا في عقر الناقة، وكانوا أبناء أشرافهم {يفسدون في الأرض ولا يصلحون} يعني أن شأنهم الإفساد البحت لا يخلط بشيء من الصلاح كما ترى بعض المفسدين قد يندر منه بعض الصلاح.
- {قالوا تقاسموا بالله} أمر بعضهم بعضا بالقسم {لنبيتنه} لنقتلنه بياتا أي ليلا {وأهله} ولده وتبعه {ثم لنقولن لوليه} لولي دمه {ما شهدنا} ما حضرنا {مهلك أهله} ما حضرنا موضع هلاكه فكيف توليناه {وإنا لصادقون} فيما ذكرنا.
{ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون} مكرهم ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح وأهله، ومكر الله إهلاكهم من حيث لا يشعرون، شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة، روي أن كان لصالح مسجد في شعب([5]) يصلي فيه، فقالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثالث، فخرجوا إلى الشعب وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه، ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم، فبعث الله صخرة من الهضب([6]) حيالهم فطبقت عليهم فم الشعب فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل بقومهم، وعذب الله كلا منهم في مكانه، ونجى صالحا عليه السلام ومن معه.
([1]) المراد التحذير مما يروى في الإسرائيليات الباطلة من أنه قيل لسليمان عليه السلام: إن رجلها كحافر الحمار وإنها شعراء الساقين فعمل هذا الصرح حيلة لتكشف ساقيها فينظر إليهما ليعرف صحة هذا الخبر من عدمه وهذا باطل محال لا يليق بالمؤمن الصالح فضلا عن الأنبياء الذين هم أفضل البشر وأنزههم من الرذائل.
([4]) أي: ليظهر ما علم الله منهم أنهم يعملونه، والله تعالى علام الغيوب، عالم بما هم عاملون في كل أوان قبل أن يخلقهم.
- تفسير سورة النمل من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
