تفسير سورة النمل من الآية أحد عشر إلى عشرين
- تفسير سورة النمل من الآية أحد عشر إلى عشرين
إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم (11) وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين (12) فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين (13) وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين (14) ولقد آتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين (15) وورث سليمان داوود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين (16) وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون (17) حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (18) فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين (19) وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين (20) - {إلا من ظلم} لكن من ظلم من غيرهم، لأن الأنبياء لا يظلمون {ثم بدل حسنا} أتبع توبة {بعد سوء} زلة {فإني غفور رحيم} أقبل توبته وأغفر زلته وأرحمه فأحقق أمنيته.
- {وأدخل يدك في جيبك} جيب قميصك وأخرجها {تخرج بيضاء} نيرة تغلب نور الشمس {من غير سوء} برص {في تسع ءايات}، {في} يتعلق بمحذوف أي اذهب في تسع ءايات، أو ألق عصاك وأدخل يدك في جملة تسع ءايات {إلى فرعون وقومه} مرسلا إلى فرعون وقومه {إنهم كانوا قوما فاسقين} خارجين عن أمر الله كافرين.
- {فلما جاءتهم ءاياتنا} معجزاتنا {مبصرة} ظاهرة بينة {قالوا هذا سحر مبين} ظاهر لمن تأمله.
- {وجحدوا بها} الجحود هو الإنكار، وقد يكون الإنكار للشيء للجهل به، وقد يكون بعد المعرفة تعنتا {واستيقنتها أنفسهم} جحودها بألسنتهم واستيقنوها في قلوبهم وضمائرهم {ظلما} وأي ظلم أفحش من ظلم من استيقن أنها ءايات من عند الله ثم سماها سحرا بينا {وعلوا} تكبرا عن الإيمان بما جاء به موسى {فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} وهو الإغراق هنا، والإحراق ثمة.
- {ولقد ءاتينا} أعطينا {داوود وسليمان علما} طائفة من العلم المراد علم الدين والحكم {وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين} تقديره: ءاتيناهما علما فعملا به وعلماه وعرفا حق النعمة فيه وقالا: الحمد لله الذي فضلنا، وفي الآية دليل على شرف العلم وتقدم حملته وأهله.
- {وورث سليمان داوود} ورث منه النبوة والـملك دون سائر بنيه، وكانوا تسعة عشر، قالوا: أتي النبوة مثل أبيه فكأنه ورثه، وإلا فالنبوة لا تورث {وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير} تشهيرا لنعمة الله تعالى واعترافا بمكانها، ودعاء للناس إلى التصديق بذكر العجزة التي هي علم منطق الطير، وكان سليمان عليه السلام يفهم منها كما يفهم بعضها من بعض {وأوتينا من كل شيء} المراد به كثرة ما أوتي {إن هذا لهو الفضل المبين} أقول هذا القول شكرا ولا أقوله فخرا.
- {وحشر} وجمع {لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير} روي أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة فرسخ، خمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلاثمائة منكوحة وسبعمائة سرية، وقد نسجت له الجن بساطا من ذهب وإبريسم([1]) فرسخا في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسطه، وهو من ذهب وفضة، فيقعد وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فيقعد الأنبياء على كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين، وتظلله الطير بأجنحتها حتى لا يقع عليه حر الشمس، وترفع ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر. ويروى أنه كان يأمر الريح العاصف تحمله ويأمر الرخاء([2]) تسيره، فأوحى الله تعالى إليه وهو يسير بين السماء والأرض: إني قد زدت في ملكك أن لا يتكلم أحد بشيء إلا ألقته الريح في سمعك، فيحكى أنه مر بحراث فقال: لقد أوتي ءال داود ملكا عظيما، فألقته الريح في أذنه، فنزل ومشى إلى الحراث وقال: إني جئت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه، ثم قال: {فهم يوزعون} يحبس أولهم على ءاخرهم، أي يوقف سلاف([3]) العسكر حتى يلحقهم الثواني ليكونوا مجتمعين، وذلك للكثرة العظيمة.
- {حتى إذا أتوا على وادي النمل} ساروا حتى إذا بلغوا وادي النمل، وهو واد بالشام كثير النمل {قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم} لا يسكرنكم {سليمان وجنوده وهم لا يشعرون} لا يعلمون بمكانكم، أي لو شعروا لم يفعلوا، قالت ذلك على وجه العذر واصفة سليمان وجنوده بالعدل، فسمع سليمان قولها من ثلاثة أميال.
- {فتبسم ضاحكا من قولها} متعجبا من حذرها واهتدائها لمصالحها، ونصيحتها للنمل، أو فرحا لظهور عدله، وضاحكا حال مؤكدة لأن تبسم بمعنى ضحك، وأكثر ضحك الأنبياء التبسم {وقال رب أوزعني} ألهمني {أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي} من النبوة والـملك والعلم {وعلى والدي} لأن الإنعام على الوالدين إنعام على الولد {وأن أعمل صالحا ترضاه} في بقية عمري {وأدخلني برحمتك} وأدخلني الجنة برحمتك لا بصالح عملي، إذ لا يدخل الجنة أحد إلا برحمته كما جاء في الحديث {في عبادك الصالحين} في زمرة أنبيائك المرسلين، أو مع عبادك الصالحين.
{وتفقد الطير} التفقد طلب ما غاب عنك {فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين} المعنى أنه تعرف الطير فلم يجد فيها الهدهد، فقال: ما لي لا أراه؟ على معنى أنه لا يراه هو حاضر لساتر ستره، أو غير ذلك. ثم لاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك، وأخذ يقول: بل هو غائب، وذكر أن سليمان عليه السلام لما حج خرج إلى اليمن فوافى صنعاء وقت الزوال، فنزل ليصلي فلم يجد الماء، وكان الهدهد قناقنه([4])، وكان يرى الماء من تحت الأرض كما يرى الماء في الزجاجة، فتستخرج الشياطين الماء، فتفقده لذلك، وذكر أنه وقعت نفحة من الشمس على راس سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خال، فدعا عريف الطير هو النسر، فسأله عنه، فلم يجد عنده علمه، ثم قال لسيد الطير وهو العقاب: علي بهن فارتفع، فنظر، فإذا هو مقبل، فقصده، فناشده الله، فتركه، فلما قرب من سليمان أرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض، وقال: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى([5])، فارتعد سليمان عليه السلام([6]) وعفا عنه.
([2]) الرخاء: الريح اللينة السريعة.
([4]) القناقن: البصير بالماء الذي يعرف موضعه تحت الأرض.
([5]) هذه عبارة يعبر بها عن الوقوف يوم القيامة لحساب الله تعالى، والله تعالى منزه عن الجارحة والعضو.
([6]) أي: من خوف الإجلال والتعظيم لله عز وجل، ولو كان عليه السلام يعلم أنه من الآمنين يوم القيامة.
