تفسير سورة النساء من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
- تفسير سورة النساء من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
ثم أنكر أخذ الـمهر بعد الإفضاء فقال:
وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا (21) ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا (22) حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما (23) والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما (24) ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم (25) يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم (26) والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما (27) يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (28) يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (29) ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا (30)- {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض} خلا بلا حائل، {وأخذن منكم ميثاقا غليظا} عهدا وثيقا، وهو قول الله تعالى: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229]. والله تعالى أخذ هذا الميثاق على عباده لأجلهن فهو كأخذهن، أو قول النبي عليه السلام: «استوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عوان([1]) في أيديكم».
ولـما نزل: {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها} قالوا: تركنا هذا، لا نرثهن كرها ولكن نخطبهن فننكحهن برضاهن، فقيل لهم:
- {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} وفيه تحريم وطء موطوءة الأب بنكاح أو بملك يمين {إلا ما قد سلف} لكن ما قد سلف فإنكم لا تؤاخذون به {إنه كان فاحشة} بالغة في القبح {ومقتا} وبغضا عند الله وعند المؤمنين {وساء سبيلا} وبئس الطريق طريقا ذلك.
ولـما ذكر في أول السورة نكاح ما طاب أ حل من النساء، وذكر بعض ما حرم قبل هذا، وهو نساء الآباء ذكر المحرمات الباقيات، وهن سبع من النسب، وسبع من السبب، وبدأ بالنسب فقال:
- {حرمت عليكم أمهاتكم} المراد تحريم نكاحهن، والجدة من قبل الأم أو الأب ملحقة بهن {وبناتكم} وبنات الابن وبنات البنت ملحقات بهن {وأخواتكم} لأب وأم أو لأب أو لأم {وعماتكم} من الأوجه الثلاثة {وخالاتكم} كذلك {وبنات الأخ} كذلك {وبنات الأخت} كذلك، ثم شرع في السبب فقال: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} الله تعالى نزل الرضاعة منزلة النسب فسمى الـمرضعة أما للرضيع والـمراضعة أختا، وكذلك زوج الـمرضعة أبوه، وأبواه جداه، وأخته عمته، كل ولد له من غير الـمرضعة قبل الرضاع وبعده فهم إخوته وأخواته لأبيه، وأم الـمرضعة جدته، وأختها خالته، وكل من ولد لها من هذا الزوج فهم إخوته وأخواته لأبيه وأمه، ومن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأم؛ وأصله قوله عليه الصلاة والسلام: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» {وأمهات نسائكم} وهن محرمات بمجرد العقد {وربائبكم} سمى ولد المرأة من غير زوجها ربيبا وربيبة، لأنه يربهما كما يرب ولده في غالب الأمر، ثم اتسع فيه فسميا بذلك وإن لم يربهما {اللاتي في حجوركم} ذكر الحجر([2]) على غلبة الحال دون الشرط، وفائدته التعليل للتحريم وأنهن لاحتضانكم لهن أو لكونهن بصدد احتضانكم كأنكم بالعقد على بناتهن عاقدون على بناتكم {من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} أي الربيبة من المرأة الـمدخول بها حرام على الرجل حلال له إذا لم يدخل بها، والدخول بهن كناية عن الجماع {فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} فلا حرج عليكم في أن تتزوجوا بناتهن إذا فارقتموهن أو متن {وحلائل أبنائكم} جمع حليلة وهي الزوجة {الذين من أصلابكم} دون من تبنيتم([3]) فقد تزوج رسول الله ﷺ زينب حين فارقها زيد([4])، وقال الله تعالى: {لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم} [الأحزاب:37]. وليس هذا لنفي الحرمة عن حليلة الابن من الرضاع {وأن تجمعوا بين الأختين} أي في النكاح، أي وحرم عليكم الجمع بين الأختين {إلا ما قد سلف} ولكن ما مضى مغفور بدليل قوله: {إن الله كان غفورا رحيما} وعن محمد بن الحسن رحمه الله أن أهل الجاهلية كانوا يعرفون هذه المحرمات إلا نكاح امرأة الأب ونكاح الأختين فلذا قال فيهما: {إلا ما قد سلف}.
- {والمحصنات من النساء} أي ذوات الأزواج لأنهن أحصن فروجهن بالتزوج {إلا ما ملكت أيمانكم} بالسبي وزوجها في دار الحرب، والمعنى: وحرم عليكم نكاح المنكوحات أي اللاتي لهن أزواج إلا ما ملكتموهن بسبيهن وإخراجهن بدون أزواجهن لوقوع الفرقة بتباين الدارين لا بالسبي فتحل الغنائم بملك اليمين بعد الاستبراء {كتاب الله عليكم} كتب الله ذلك عليكم كتابا وفرضه فريضة وهو تحريم ما حرم {وأحل لكم ما وراء ذلكم} ما سوى المحرمات المذكورة {أن تبتغوا} بين لكم ما يحل مما يحرم لأن تبتغوا {بأموالكم} يعني الـمهور، وفيه دليل على أن النكاح لا يكون إلا بمهر، وأنه يجب وإن لم يسم، وأن غير المال لا يصلح مهرا، وأن القليل لا يصلح مهرا([5])، إذ الحبة لا تعد مالا عادة {محصنين} في حال كونكم محصنين {غير مسافحين} لئلا تضيعوا أموالكم وتفقروا أنفسكم فيما لا يحل لكم فتخسروا دينكم ودنياكم، ولا فساد أعظم من الجمع بين الخسرانين. والإحصان العفة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام، والـمسافح الزاني {فما استمتعتم به منهن} فما نكحتموه منهن {فآتوهن أجورهن} مهورهن، لأن المهر ثواب على البضع([6]) {فريضة} مفروضة {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} فيما تحط عنه من الـمهر أو تهب ل من كله، أو يزيد لها على مقداره، أو فيما تراضيا به من مقام أو فراق {إن الله كان عليما} بالأشياء قبل خلقها {حكيما} فيما فرض لهم من عقد النكاح الذي به حفظت الأنساب.
- {ومن لم يستطع منكم طولا} فضلا {أن ينكح المحصنات المؤمنات} الحرائر الـمسلمات {فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} أي فلينكح مملوكة من الإماء المسلمات، وقوله: {من فتياتكم} أي من فتيات المسلمين، والمعنى: ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة يبلغ بها نكاح الحرة فلينكح أمة، ونكاح الأمة الكتابية يجوز عندنا([7])، والتقييد في النص للاستحباب بدليل أن الإيمان ليس بشرط في الحرائر اتفاقا مع التقييد([8]) به {والله أعلم بإيمانكم} فيه تنبيه على قبول ظاهر إيمانهن {بعضكم من بعض} لا تستنكفوا من نكاح الإماء، فكلكم بنو ءادم، وهو تحذير عن التعيير بالأنساب والتفاخر بالأحساب {فانكحوهن بإذن أهلهن} سادتهن {وءاتوهن أجورهن بالمعروف} وأدوا إليهن مهورهن بغير مطل وإضرار، وملاك مهورهن مواليهن {محصنات} عفائف {غير مسافحات} زوان علانية {ولا متخذات أخدان} زوان سرا، والأخدان: الأخلاء في السر {فإذا أحصن} بالتزويج {فإن أتين بفاحشة} زنا {فعليهن نصف ما على المحصنات} الحرائر {من العذاب} من الحد يعني خمسين جلدة، وقوله: {نصف} يدل على أنه الجلد لا الرجم، لأن الرجم لا يتنصف، وأن المحصنات هنا الحرائر اللاتي لم يزوجن {ذلك} أي نكاح الإماء {لمن خشي العنت منكم} لمن خاف الإثم الذي تؤدي إليه غلبة الشهوة، وأصل العنت انكسار العظم بعد الجبر فاستعير لكل مشقة وضرر، ولا ضرر أعظم من مواقعة المآثم([9])، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هو الزنا لأنه سبب الهلاك {وأن تصبروا} وصبركم عن نكاح الإماء متعففين {خير لكم} لأن فيه إرقاق الولد {والله غفور} يستر المحظور {رحيم} يكشف الـمحذور.
- {يريد الله ليبين لكم} يريد الله أن يبين لكم ما هو خفي عليكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم {ويهديكم سنن الذين من قبلكم} وأن يهديكم مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين، والطرق التي سلكوها في دينهم لتقتدوا بهم {ويتوب عليكم} ويوفقكم للتوبة عما كنتم عليه من الخلاف {والله عليم} بمصالح عباده {حكيم} فيما شرع لهم.
- {والله يريد أن يتوب عليكم} التكرير للتأكيد والتقرير والتقابل {ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} [أي: يريد أعداؤكم من الكفار الذين إنما يتبعون ما تميل إليه أهواؤهم أن تميلوا عن طاعة الله وعن دينه ميلا فاحشا مفرطا في الجهل والخطأ].
- {يريد الله أن يخفف عنكم} بإحلال نكاح الأمة وغيره من الرخص {وخلق الإنسان ضعيفا} لا يصبر عن الشهوات وعلى مشاق الطاعات.
- {يا أيها الذين ءامنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} بما لم تبحه الشريعة من نحو السرقة والخيانة والغصب والقمار وعقود الربا {إلا أن تكون تجارة} إلا أن تكون التجارة تجارة {عن تراض منكم} عن تراض بالعقد أو بالتعاطي {ولا تقتلوا أنفسكم} من كان من جنسكم من المؤمنين، لأن المؤمنين كنفس واحدة، أو لا يقتل الرجل نفسه كما يفعله بعض الجهلة، أو لا ترتكبوا ما يجب القتل {إن الله كان بكم رحيما} ولرحمته بكم نبهكم على ما فيه صيانة أموالكم وبقاء أبدانكم.
{ومن يفعل ذلك} القتل {عدوانا وظلما} لا خطأ ولا قصاصا {فسوف نصليه نارا} ندخله نارا مخصوصة شديدة العذاب {وكان ذلك} أي إصلاؤه النار {على الله يسيرا} سهلا، وهذا الوعيد في حق المستحل للتخليد، وفي حق غيره لبيان استحقاقه دخول النار مع وعد الله بمغفرته.
([3]) التبني كان حلالا قبل نزول الوحي بتحريمه.
([4]) الرسول عليه الصلاة والسلام كان له عبد أهدته إياه زوجته خديجة عليها السلام قبل البعثة وهي كانت قد اشترته من غيرها، ولم يكن الرسول ﷺ والسيدة خديجة يعلمان بقصته وأنه اختطف من اليمن وكان اسمه زيد بن حارثة، ثم بعد وقت علم أهله الذين كانوا ما زالوا يبحثون عنه أنه عند النبي عليه السلام ولم يكن قد نزل عليه الوحي فأتى أبوه وعمه إلى مكة إلى الرسول وقال أبو زيد: هذا ولدي ونريد أن نأخذه، فقال النبي عليه السلام: «ما رأيكما في أن أعطيه الخيار، إن اختاركما فلا أمنعه من الذهاب معكما، وإن اختار أن يبقى معي فأنا لا أمنعه» فقالا: هذا عدل، فنادى زيدا وقال له: «هل تعلم من هذا؟» قال: نعم، هذا أبي، قال: «وهل تعلم من هذا؟» – يعني الرجل الثاني – قال: نعم، هذا عمي فقال عليه الصلاة والسلام: «أتيا ليأخذاك فماذا تريد؟» فقال لوالده وعمه: هذا الشخص – يعني النبي عليه الصلاة والسلام – عاملني إلى درجة أني لا أريد أن أتركه، أعلم أنكم أهلي ولكن أريد البقاء معه، عند ذلك تبنى النبي ﷺ زيدا حتى صار يقال له بعد ذلك زيد بن محمد، وكان هذا قبل البعثة، ثم لما نزل الوحي بتحريم التبني بعد البعثة ترك مناداته بزيد بن محمد وصار يقال له زيد بن حارثة.
([5]) هذا عند الحنفية، وأما عند الشافعية فيصح بكل ما يتوافقان عليه مما جاز أن يكون ثمنا، أو مبيعا، أو أجرة قل أو كثر. ويجوز أن يكون منفعة معلومة.
([8]) مع أن الآية الكريمة ذكرت المؤمنات أيضا عند الكلام عن الحرائر.
