تفسير سورة النساء من الآية واحد وستين إلى سبعين
- تفسير سورة النساء من الآية واحد وستين إلى سبعين
وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا (61) فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا (62) أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا (63) وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما (64) فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (65) ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا (66) وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما (67) ولهديناهم صراطا مستقيما (68) ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (69) ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما (70) - {وإذا قيل لهم} للمنافقين {تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول} للتحاكم {رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} يعرضون عنك إلى غيرك ليغروه بالرشوة فيقضي لهم.
- {فكيف} تكون حالهم وكيف يصنعون {إذا أصابتهم مصيبة} من قتل عمر بشرا {بما قدمت أيديهم} من التحاكم إلى غيرك واتهامهم لك في الحكم {ثم جاؤوك} أي أصحاب القتيل من المنافقين {يحلفون بالله إن أردنا} ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك {إلا إحسانا} لا إساءة {وتوفيقا} بين الخصمين، ولم نرد مخالفة لك ولا تسخطا لحكمك، وهذا وعيد لهم على فعلهم وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم ولا يغني عنهم الاعتذار.
- {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم} من النفاق {فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} فأعرض عن قبول الأعذار، وعظ بالزجر والإنكار، وبالغ في وعظهم بالتخويف والإنذار، أو أعرض عن عقابهم وعظهم في عتابهم وبلغ كنه ما في ضميرك من الوعظ.
- {وما أرسلنا من رسول} قط {إلا ليطاع بإذن الله} بتوفيقه في طاعته وتيسيره {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم} بالتحاكم إلى الطاغوت {جاؤوك} تائبين من النفاق معتذرين عما ارتكبوا من الشقاق([1]) {فاستغفروا الله} من النفاق والشقاق {واستغفر لهم الرسول} بالشفاعة لهم {لوجدوا الله توابا} لتاب عليهم، ولم يقل: واستغفرت لهم وعدل عنه إلى طريقة الالتفات تفخيما لشأن رسول الله ﷺ وتعظيما لاستغفاره وتنبيها على أن شفاعة الرسول من الله بمكان {رحيما} بهم، قيل: جاء أعرابي بعد دفنه عليه الصلاة والسلام فرمى بنفسه على قبره، وحثا من ترابه على رأسه، وقال: يا رسول الله، قلت فسمعنا، وكان فيما أنزل عليك: { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم} الآية، وقد ظلمت نفسي وجئتك أستغفر الله من ذنبي، فاستغفر لي من ربي، فنودي من قبره قد غفر لك([2]).
- {فلا وربك} أي فوربك كقوله: {فوربك لنسألنهم} [الحجر: 92] ولا مزيدة لتأكيد معنى القسم وجواب القسم {لا يؤمنون}، أو التقدير: {فلا} أي ليس الأمر كما يقولون: ثم قال {وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} فيما اختلف بينهم واختلط {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا} ضيقا {مما قضيت} لا تضيق صدورهم من حكمك، {ويسلموا تسليما} وينقادوا لقضائك انقيادا، والمعنى: لا يكونون مؤمنين حتى يرضوا بحكمك وقضائك.
- {ولو أنا كتبنا عليهم} على المنافقين {أن اقتلوا أنفسكم} تعرضوا للقتل بالجهاد {أو اخرجوا من دياركم} بالهجرة {ما فعلوه} لنفاقهم {إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به} من اتباع رسول الله عليه الصلاة والسلام والانقياد لحكمه {لكان خيرا لهم} في الدارين {وأشد تثبيتا} لإيمانهم وأبعد عن الاضطراب فيه.
- {وإذا} جواب لسؤال مقدر كأنه قيل: وماذا يكون لهم بعد التثبيت؟ فقيل: وإذا لو ثبتوا {لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما} ثوابا كثيرا لا ينقطع.
- {ولهديناهم صراطا مستقيما} لثبتناهم على الدين الحق.
- {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين} كأفاضل صحابة الأنبياء، والصديق: المبالغ في صدق ظاهره بالمعاملة وباطنه بالمراقبة، أو الذي يصدق قوله بفعله. {والشهداء} والذين استشهدوا في سبيل الله {والصالحين} ومن صلحت أحوالهم وحسنت أعمالهم {وحسن أولئك رفيقا} وما أحسن أولئك رفيقا.
{ذلك الفضل من الله} المعنى أن ما أعطي المطيعون من الأجر العظيم ومرافقة الـمنعم عليهم من الله، لأنه تفضل به عليهم {وكفى بالله عليما} بعباده وبمن هو أهل الفضل.
([2]) هذه العبارة الأخيرة وهي (فنودي من قبره) ما لها أصل صحيح، والذي له أصل أنه بعدما ولى الرجل أخذ رجل غفوة فرأى الرسول ﷺ في المنام فقال: «الحق الأعرابي فأخبره أنه قد غفر له».
- تفسير سورة النساء من الآية واحد وستين إلى سبعين
