تفسير سورة النساء من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
- تفسير سورة النساء من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا (71) وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا (72) ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما (73) فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما (74) وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا (75) الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا (76) ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا (77) أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا (78) ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا (79) من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا (80) - {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم} احذروا واحترزوا من العدو {فانفروا ثبات} فاخرجوا إلى العدو جماعات متفرقة سرية بعد سرية {أو انفروا جميعا} مجتمعين، أو انفروا ثبات إذا لم يعم النفير أو جميعا إذا عم النفير.
- {وإن منكم لمن ليبطئن} وإن منكم لمن أقسم بالله ليبطئن أي ليتخلفن عن الجهاد، والخطاب لعسكر رسول الله ﷺ، وقوله: {منكم} أي في الظاهر دون الباطن، يعني المنافقين، يقولون: لم تقتلون أنفسكم؟ تأنوا حتى يظهر الأمر {فإن أصابتكم مصيبة} قتل أو هزيمة {قال} الـمبطئ {قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا} حاضرا فيصيبني مثل ما أصابهم.
- {ولئن أصابكم فضل من الله} فتح أو غنيمة {ليقولن} هذا الـمبطئ متلهفا([1]) على ما فاته من الغنيمة لا طلبا للمثوبة {كأن لم تكن بينكم وبينه مودة} والمعنى: كأن لم يتقدم له معكم مؤادة، لأن المنافقين كانوا يوادون المؤمنين في الظاهر وإن كانوا يبغون لهم الغوائل([2]) في الباطن {يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما} فآخذ من الغنيمة حظا وافرا.
- {فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون} يبيعون {الحياة الدنيا بالآخرة} والمراد المؤمنون الذين يستحبون الحياة الآجلة على العاجلة ويستبدلونها بها، أي عن صد الذين مرضت قلوبهم وضعفت نياتهم عن القتال، فليقاتل الثابتون المخلصون {ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما} وعد الله المقاتل في سبيل الله ظافرا أو مظفورا به إيتاء الأجر العظيم على اجتهاده في إعزاز دين الله.
- {وما لكم} وهذا الاستفهام في النفي للتنبيه على الاستبطاء، وفي الإثبات للإنكار {لا تقاتلون في سبيل الله} وأي شيء لكم تاركين القتال وقد ظهرت دواعيه {والمستضعفين} واختص من سبيل الله خلاص المستضعفين لأن سبيل الله عام في كل خير، وخلاص المستضعفين المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخير وأخصه، والمستضعفون هم الذين أسلموا بمكة وصدهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم مستضعفين يلقون منهم الأذى الشديد {من الرجال والنساء والولدان} لأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالا لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا كما فعل قوم يونس عليه السلام {الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية} يعني مكة {الظالم أهلها} التي ظلم أهلها {واجعل لنا من لدنك وليا} يتولى أمرنا ويستنقذنا من أعدائنا {واجعل لنا من لدنك نصيرا} ينصرنا عليهم، كانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه، فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة وبقي بعضهم إلى الفتح حتى جعل الله لهم من لدنه خير ولي وناصر وهو محمد عليه السلام فتولاهم أحسن التولي ونصرهم أقوى النصر، ولما خرج [رسول الله ﷺ إلى المدينة] استعمل عتاب بن أسيد فرأوا منه الولاية والنصرة كما أرادوا.
ثم رغب الله المؤمنين بأنهم يقاتلون في سبيل الله، فهو وليهم وناصرهم، وأعداؤهم يقاتلون في سبيل الشيطان فلا ولي لهم إلا الشيطان بقوله:
- {الذين ءامنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت} أي الشيطان {فقاتلوا أولياء الشيطان} أي الكفار {إن كيد الشيطان} أي وساوسه، وقيل: الكيد السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال {كان ضعيفا} لأنه غرور لا يؤول إلى محصول، أو كيده في مقابلة نصر الله ضعيف.
كان المسلمون مكفوفين عن القتال مع الكفار ما داموا بمكة، وكانوا يـمنون أن يؤذن لهم فيه فنزل:
- {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم} عن القتال {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال} فرض بالمدينة {إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله} يخافون أن يقاتلهم الكفار كما يخافون أن ينزل الله عليهم بأسه لا شكا في الدين ولا رغبة عنه، ولكن نفورا عن الإخطار بالأرواح وخوفا من الموت {أو أشد خشية} أشد خشية من أهل خشية الله {وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب} هلا أمهلتنا إلى الموت فنموت على الفرش، وهو سؤال عن وجه الحكمة في فرض القتال عليهم لا اعتراض لحكمه، بدليل أنهم لم يوبخوا على هذا السؤال، بل أجيبوا بقوله: {قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى} متاع الدنيا قليل زائل، ومتاع الآخرة كثير دائم، والكثي إذا كان على شرف الزوال فهو قليل، فكيف القليل الزائل {ولا تظلمون فتيلا} ولا تنقصون أدنى شيء من أجوركم على مشاق القتل فلا ترغبوا عنه.
ثم أخبر أن الحذر لا ينجي من القدر بقوله:
- {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج} حصون أو قصور {مشيدة} مرفعة {وإن تصبهم حسنة} نعمة من خصب ورخاء {يقولوا هذه من عند الله} نسبوها إلى الله {وإن تصبهم سيئة} بلية من قحط وشدة {يقولوا هذه من عندك} أضافوها إليك وقالوا هي من عندك وما كانت إلا بشؤمك، وذلك أن المنافقين واليهود كانوا إذا أصابهم خير حمدوا الله تعالى، وإذا أصابهم مكروه نسبوه إلى محمد ﷺ، فكذبهم الله تعالى بقوله: {قل كل من عند الله} كل ذلك، فهو يبسط الأرزاق ويقبضها {فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون} يفهمون {حديثا} فيعلموا أن الله هو الباسط القابض، وكل ذلك صادر عن حكمة، ثم قال:
- {ما أصابك} يا إنسان خطابا عاما. وقال الزجاج: المخاطب به النبي عليه الصلاة والسلام والمراد غيره {من حسنة} من نعمة وإحسان {فمن الله} تفضلا منه وامتنانا {وما أصابك من سيئة} من بلية ومصيبة {فمن نفسك} فمن عندك أي فيما كسبت يداك {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم [الشورى: 30] {وأرسلناك للناس رسولا} فإليك تبليغ الرسالة وليس إليك الحسنة والسيئة {وكفى بالله شهيدا} بأنك رسوله، وقيل: هذا متصل بالأول أي لا يكادون يفقهون حديثا يقولون: {ما أصابك}([3]).
{من يطع الرسول فقد أطاع الله}([4]) لأنه لا يأمر ولا ينهى إلا بما أمر الله به ونهى عنه، فكانت طاعته في أوامره ونواهيه طاعة لله {ومن تولى} عن الطاعة فأعرض عنه {فما أرسلناك عليهم حفيظا} تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها وتعاقبهم.
([3]) قيل في تفسير هذه الآية {ما أصابك من حسنة فمن الله} إلى ءاخرها: أن ما مفعول لفعل محذوف أي يقولون {ما أصابك من حسنة فمن الله} إلى ءاخره، أي أن الكفار يقولون ذلك طعنا في الرسول ﷺ وعليه يكون الكلام متصلا، والمعنى فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا حتى يقولوا ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك؛ معنى كلامه أن الكفار قالوا: الرخاء والبسط الذي يصيبك يا محمد من نعمة الله عليك، أما ما يصيبك من قحط وبلية هذا من شؤمك، هذا سب للرسول ﷺ.
([4]) هذه الآية دليل على أن الرسول ﷺ لا يخطئ في اجتهاده في أمور الدين، وأن الأخذ بقول الرسول ﷺ صواب ليس خطأن سواء اجتهد فقال باجتهاده في أمر الدين أو قاله من غير اجتهاد منه بل بوحي، في الحالين هو مصيب، ومن اقتدى به فهو على هدى.
- تفسير سورة النساء من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
