تفسير سورة النساء من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
- تفسير سورة النساء من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما (31) ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما (32) ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا (33) الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا (34) وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا (35) واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا (36) الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (37) والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا (38) وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما (39) إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما (40) - {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} عن ابن مسعود رضي الله عنه: الكبائر كل ما نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى قوله: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} اهـ. {وندخلكم مدخلا كريما} حسنا.
ولـما كان أخذ مال الغير بالباطل وقتل النفس بغير حق بتمني مال الغير وجاهه نهاهم عن تمني ما فضل الله به بعض الناس على بعض من الجاه والمال بقوله:
- {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد، فعلى كل واحد أن يرضى بما قسم له ولا يحسد أخاه على حظه.
ولما قال الرجال: نرجو أن يكون أجرنا على الضعف من أجر النساء كالـميراث، وقالت النساء: [نرجو أن] يكون وزرنا على نصف وزر الرجال كالميراث، نزل: {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} أي ليس ذلك على حسب الميراث {واسألوا الله من فضله} فإن خزائنه لا تنفد، ولا تتمنوا ما للناس من الفضل {إن الله كان بكل شيء عليما} فالتفضيل منه عن علم بمواضع الاستحقاق.
- {ولكل} ولكل أحد {جعلنا موالي} وراثا يلونه ويحرزونه {مما ترك الوالدان والأقربون} لكل مال مما تركه الوالدان [والأقربون] {والذين عقدت أيمانكم} عقدت عهودهم أيمانكم {فآتوهم نصيبهم} المراد به عقد الموالاة، وهي مشروعة، والوراثة بها ثابتة عند عامة الصحابة رضي الله عنهم، وتفسيره: إذا أسلم رجل أو امرأة لا وارث له وليس بعربي ولا معتق فيقول لآخر: واليتك على أن تعقلني إذا جنيت وترث مني إذا مت ويقول الآخر: قبلت، انعقد ذلك([1]) ويرث الأعلى من الأسفل([2]) {إن الله كان على كل شيء شهيدا} أي هو عالـم الغيب والشهادة، وهو أبلغ وعد ووعيد.
- {الرجال قوامون على النساء} يقومون عليهن ءامرين ناهين كما يقوم الولاة على الرعايا {بما فضل الله بعضهم على بعض} يعني إنما كانوا مسيطرين عليهن لسبب تفضيل الله بعضهم – وهم الرجال – على بعض – وهم النساء – بالعقل والعزم والحزم والرأي والقوة والغزو وكمال الصوم والصلاة والنبوة والخلافة والإمامة والأذان والخطبة والجماعة والجمعة والشهادة في الحدود والقصاص وتضعيف الميراث والتعصيب فيه وملك النكاح والطلاق، وإليهم الانتساب، وهم أصحاب اللحى والعمائم {وبما أنفقوا من أموالهم} وبأن نفقتهن عليهم، وفيه دليل وجوب نفقتهن عليهم. ثم قسمهن على نوعين:
النوع الأول: {فالصالحات قانتات} مطيعات قائمات بما عليهن للأزواج {حافظات للغيب} لمواجب الغيب، وهو خلاف الشهادة، أي إذا كان الأزواج غير شاهدين لهن حفظن ما يجب عليهن حفظه في حال الغيبة من الفروج والبيوت والأموال، وقيل: لأسرارهم {بما حفظ الله} بما حفظهن الله حين أوصى بهن الأزواج بقوله: {وعاشروهن بألمعروف} [النساء: 19] أو بما حفظهن الله ووفقهن لحفظ الغيب.
والثاني: {واللاتي تخافون نشوزهن} عصيانهن وترفعهن عن طاعة الأزواج. والنشز: المكان المرتفع والنبوة. عن ابن عباس رضي الله عنهما: هو أن تستخف بحقوق زوجها ولا تطيع أمره {فعظوهن} خوفوهن عقوبة الله تعالى والضرب، والعظة كلام يلين القلوب القاسية ويرغب الطبائع النافرة {واهجروهن في المضاجع} في الـمراقد، أي لا تداخلوهن تحت اللحف وهو كناية عن الجماع {واضربوهن} ضربا غير مبرح. أمر بوعظهن أولا ثم بهجرانهن في المضاجع ثم بالضرب إن لم ينجع([3]) فيهن الوعظ الهجران {فإن أطعنكم} بترك النشوز {فلا تبغوا عليهن سبيلا} فأزيلوا عنهن التعرض بالأذى {إن الله كان عليا كبيرا} أي أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم عليهن فاجتنبوا ظلمهن.
ثم خاطب الولاة بقوله:
- {وإن خفتم شقاق بينهما} الشقاق: العداوة والخلاف، لأن كلا منهما يفعل ما يشق على صاحبه {فابعثوا حكما من أهله} رجلا يصلح للحكومة والإصلاح بينهما {وحكما من أهلها} وإنما كان بعث الحكمين من أهلهما لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصلاح، ونفوس الزوجين أسكن إليهم فيبرزان ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة. والضمير في {إن يريدا إصلاحا} للحكمين، وفي {يوفق الله بينهما} للزوجين؛ أي إن قصدا إصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة بورك في وساطتهما وأوقع الله بحسن سعيهما بين الزوجين الألفة والوفاق وألقى في نفوسهما المودة والاتفاق {إن الله كان عليما} بإرادة الحكمين {خبيرا} بالظالم من الزوجين.
- {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا} وأحسنوا بهما إحسانا بالقول والفعل والإنفاق عليهما عند الاحتياج {وبذي القربى} وبكل من بينكم وبينه قربى من أخ أو عم أو غيرهما {واليتامى والمساكين والجار ذي القربى} الذي قرب جواره {والجار الجنب} الذي جاره بعيد، أو الجار القريب: النسيب، والجار الجنب: الأجنبي {والصاحب بالجنب} أي الزوجة، أو الذي صحبك إما رفيقا في سفر، أو شريكا في تعلم علم، أو غيره {وابن السبيل} الغريب أو الضيف {وما ملكت أيمانكم} العبيد والإماء {إن الله لا يحب من كان مختالا} متكبرا يأنف عن قرابته وجيرانه فلا يلتفت إليهم {فخورا} يعدد مناقبه كبرا.
- {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} أي يبخلون بذات أيديهم وبما في أيدي غيرهم فيأمرونهم بأن يبخلوا به مقتا([4]) للسخاء {ويكتمون ما ءاتاهم الله من فضله} ويخفون ما أنعم الله عليهم به من المال وسعة الحال [أو العلم]، قيل: نزلت في شأن اليهود الذين كتموا صفة محمد ﷺ {وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} يهانون به في الآخرة.
- {والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس} للفخار وليقال: ما أجودهم، لا لابتغاء وجه الله، وهم المنافقون أو مشركو مكة {ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا} حيث حملهم على البخل والرياء وكل شر، ويجوز أن يكون وعيدا لهم بأن الشيطان يقرن بهم في النار.
- {وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله} وأي تبعة ووبال عليهم في الإيمان والإنفاق في سبيل الله، والمراد الذم والتوبيخ، وهذا كما يقال للعاق: ما ضرك لو كنت بارا؟ وقد علم أنه لا مضرة في البر ولكنه ذم وتوبيخ وكان الله بهم عليما} وعيد.
{إن الله لا يظلم مثقال ذرة} هي النملة الصغيرة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أدخل يده في التراب فرفعه ثم نفخ فيه فقال: كل واحدة من هؤلاء ذرة، وقيل: كل جزء من أجزاء الهباء في الكوة ذرة {وإن تك حسنة} وإن يك مثقال الذرة حسنة {يضاعفها} يضاعف ثوابها {ويؤت من لدنه أجرا عظيما} ويعط صاحبها من عنده ثوابا عظيما.
([1]) هذا عند أبي حنيفة، وأما عند مالك والشافعي رحمهم الله تعالى فميراثه للمسلمين فهم يرثونه ويعقلون عنه ولا توارث بولاء الموالاة، والآية عند الشافعية منسوخة الحكم بقوله تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض}.
([2]) إلا إن اتفقا على أن يكون التوارث بينهما من الجهتين فيكون على ما اتفقا عليه، وهذا عندهم بالإرث بولاء الموالاة، وأما بولاء العتاقة فالإرث به من جهة واحدة لا غير، وهو أن الـمعتق يرث من العتيق لا العكس.
- تفسير سورة النساء من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
