تفسير سورة النساء من الآية واحد إلى عشرة
تفسير سورة النساء من الآية واحد إلى عشرة
يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا (1) وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا (2) وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا (3) وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا (4) ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا (5) وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا (6) للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا (7) وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا (8) وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا (9) إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا (10)- {يا أيها الناس} يا بني ءادم {اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة} فرعكم من أصل واحد وهو نفس ءادم أبيكم {وخلق منها زوجها} المعنى: شعبكم من نفس واحدة هذه صفتها، وهي أنه أنشأها من تراب وخلق منها زوجها حواء من ضلع من أضلاعها {وبث منهما} ونشر من ءادم وحواء {رجالا كثيرا ونساء} كثيرة أي وبث منهما نوعي جنس الإنس وهما الذكور والإناث، ومن قدر على نحوه كان قادرا على كل شيء، ومن المقدورات عقاب الكفار والفجار، فالنظر فيه يؤدي إلى أن يتقى القادر عليه ويخشى عقابه {واتقوا الله الذي تساءلون به} أي يسأل بعضكم بعضا بالله، فيقول: بالله افعل كذا على سبيل الاستعطاف {والأرحام} واتقوا الأرحام أن تقطعوها {إن الله كان عليكم رقيبا} حافظا أو عالـما.
- {وآتوا اليتامى أموالهم} يعني الذين ماتت ءاباؤهم فانفردوا عنهم، والمعنى: وءاتوا اليتامى أموالهم بعد البلوغ، وسماهم يتامى لقرب عهدهم إذا بلغوا بالصغر، وفيه إشارة إلى ألا يؤخر دفع أموالهم إليهم عن حد البلوغ إن أونس منهم الرشد. {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} ولا تستبدلوا الحرام – وهو مال اليتامى – بالحلال – وهو مالكم – {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} ولا تضموها إليها في الإنفاق حتى لا تفرقوا بين أموالكم وأموالهم قلة مبالاة بما لا يحل لكم وتسوية بينه وبين الحلال {إنه} إن أكلها {كان حوبا كبيرا} ذنبا عظيما.
- {وإن خفتم ألا تقسطوا} أي لا تعدلوا {في اليتامى} يقال للإناث اليتامى كما يقال للذكور وهو جمع يتيمة ويتيم، وأما أيتام فجمع يتيم لا غير {فانكحوا ما طاب لكم} ما حل لكم {من النساء} لأن منهن ما حرم الله كاللاتي في ءاية التحريم، قيل: كانوا لا يـحرجون من الزنا ويتحرجون من ولاية اليتامى، فقيل: إن خفتم الجور([1]) في حق اليتامى فخافوا الزنى، فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات. {مثنى وثلاث ورباع} فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد ثنتين ثنتين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا([2])، كما تقول للجماعة: اقتسموا هذا المال – وهو ألف درهم – درهمين درهمين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة [بمعنى أن تقع القسمة على هذا التفصيل دون غيره فلا تقسموا خمسة خمسة، والمعنى: من شاء منكم أن يزيد على الواحدة في النكاح فليكن على هذا الترتيب يأخذ كل واحد منكم اثنتين أو ثلاثا أو أربعا لا على غير هذا الترتيب] {فإن خفتم ألا تعدلوا} بين هذه الأعداد {فواحدة} فالزموا أو فاختاروا واحدة {أو ما ملكت أيمانكم} سوى في اليسر بين الحرة الواحدة وبين الإماء من غير حصر {ذلك} إشارة إلى اختيار الواحدة والتسري {أدنى ألا تعولوا} أقرب من ألا تميلوا ولا تجوروا.
- {وءاتوا النساء صدقاتهن} مهورهن {نحلة} من نحله كذا إذا أعطاه إياه ووهبه له عن طيبة من نفسه، أي أعطوهن مهورهن عن طيبة أنفسكم والخطاب للأزواج، وقيل: للأولياء لأنهم كانوا يأخذون مهور بناتهم {فإن طبن لكم} للأزواج {عن شيء منه} من الصداق، إذ هو في معنى الصدقات {نفسا} المعنى: فإن وهبن لكم شيئا من الصداق وتجافت عنه نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى الهبة من شكاسة أخلاقكم([3]) وسوء معاشرتكم {فكلوه هنيئا} لا إثم فيه {مريئا} لا داء فيه، وهذه عبارة عن المبالغة في الإباحة وإزالة التبعة.
- {ولا تؤتوا السفهاء} المبذرين أموالهم الذين ينفقونها فيما لا ينبغي ولا قدرة لهم على إصلاحها وتثميرها والتصرف فيها، والخطاب للأولياء، وأضاف على الأولياء أموال السفهاء بقوله: {أموالكم} لأنهم يلونها ويمسكونها {التي جعل الله لكم قياما} أي [جعلها الله لكم] قواما لأبدانكم ومعاشا لأهلكم وأولادكم([4]) {وارزقوهم فيها} واجعلوها مكانا لرزقهم بأن تتجروا فيها وتربحوا حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فيأكلها الإنفاق {واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا} عدة([5]) جميلة إن صلحتم ورشدتم سلمنا إليكم أموالكم.
- {وابتلوا اليتامى} واختبروا عقولهم وذوقوا أحوالهم ومعرفتهم بالتصرف قبل البلوغ، فالابتلاء عندنا([6]) أن يدفع إليه ما يتصرف فيه حتى يتبين حاله فيما يجيء منه، وفيه دليل على جواز إذن الصبي العاقل في التجارة {حتى إذا بلغوا النكاح} الحلم لأنه يصلح للنكاح عنده ولطلب ما هو مقصود به وهو التوالد {فإن ءانستم منهم} تبينتم {رشدا} هداية في التصرفات وصلاحا في المعاملات {فادفعوا إليهم أموالهم} من غير تأخير عن حد البلوغ، فكأنه قيل: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم واستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم {ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا} ولا تأكلوها مفسرفين ومبادرين كبرهم تقولون: ننفق فيما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا {ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} قسم الأمر بين أن يكون الوصي غنيا وبين أن يكون فقيرا، فالغني يستعف من أكلها أي يحترز من أكل مال اليتيم، والفقير يأكل قوتا مقدرا محتاطا في أكله {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم} بأنهم قبضوها دفعا للتجاحد {وكفى بالله حسيبا} محاسبا.
- {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} هم المتوارثون من ذوي القرابات دون غيرهم {مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا} مقطوعا لا بد لهم من أن يحوزوه، وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال ويقولون: لا يرث إلا من طاعن بالرماح وحاز الغنيمة.
- {وإذا حضر القسمة} قسمة التركة {أولوا القربى} ممن لا يرث {واليتامى والمساكين} من الأجانب {فارزقوهم} فأعطوهم {منه} مما ترك الوالدان والأقربون، وهو أمر ندب {وقولوا لهم قولا معروفا} عذرا جميلا وعدة حسنة.
- {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا} المراد بهم الأوصياء([7])، أمروا بأن يخشوا الله فيخافوا على من في حجورهم من اليتامى فيشفقوا عليهم خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافا، وأن يقدروا ذلك في أنفسهم ويصوروه حتى لا يجسروا على خلاف الشفقة والرحمة، والقول السديد من الأوصياء أن يكلموهم كما يكلمون أولادهم بالأدب الحسن والترحيب.
([2]) ألفاظ مثنى وثلاث ورباع معدولة عن اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة ويراد بذلك تكرار العدد إلى غاية المعدود كقوله: ونفروا بعيرا بعيرا، وفصلت لك الحساب بابا بابا، وليس المراد بذلك الجمع بين تسع نسوة، فإنه إذا قيل لقوم: ادخلوا الدار مثنى وثلاث ورباع لم يكن أمرا بدخول تسعة منهم جملة في حالة بل هو أمر لهم بأن يدخلوا اثنين اثنين، ولهم أن يدخلوا بدل لك ثلاثة ثلاثة، ولهم أن يدخلوا بدل ذلك أربعة أربعة وكذا في كل موضع ذكر فيه مثل ذلك، هذا قضية اللغة، وما خالفه جهل شنيع بلسان العرب.
([4]) أي: أن الأموال في الجملة مجعولة للناس كلهم قواما لهم، لا أن يجعلوا أموال السفهاء التي هم أولياء عليها قواما لأبدانهم هم ومعاشهم.
([5]) العدة، بتخفيف الدال، الوعد.
([7]) الأوصياء غير القرائب، كأن يوصي الأب شخصا يحبه ليلي أمر أولاده بعد موته ويتصرف لهم بأموالهم بالإنفاق والتنمية والحفظ.
