تفسير سورة النساء من الآية أحد عشر إلى عشرين
- تفسير سورة النساء من الآية أحد عشر إلى عشرين
يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما (11) ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم (12) تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم (13) ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين (14) واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا (15) واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما (16) إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما (17) وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما (18) يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا (19) وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا (20) - {يوصيكم الله} يعهد إليكم ويأمركم {في أولادكم} في شأن ميراثهم {للذكر مثل حظ الأنثيين} أي للذكر من أولادكم، كانوا يورثون الذكور دون الإناث، وهو السبب لورود الآية، فقيل: كفى الذكور أن ضوعف لهم نصيب الإناث، والمراد حال الاجتماع إذا اجتمع الذكر والأنثيان كان له سهمان كما أن لهما سهمين، ثم أتبعه حكم الانفراد بقوله: {فإن كن نساء} فإن كانت الأولاد نساء خلصا يعني بنات ليس معهن ابن {فوق اثنتين} أي نساء زائدات على اثنتين {فلهن ثلثا ما ترك} الميت، لأن الآية لما كانت في الميراث علم أن التارك هو الميت {وإن كانت واحدة} وإن كانت المولودة منفردة [عن الذكور] واحدة {فلها النصف} [أي: فرضا، والباقي للعصبة إن كان. ودل هذا على أن الابن إذا انفرد فله كل المال] ولم يذكر [صريحا] حكم البنتين في حال الانفراد، [فأغلب] الصحابة رضي الله عنهم أعطوهما حكم الجماعة بمقتضى قوله للذكر مثل حظ الأنثيين، وذلك لأن من مات وخلف بنتا وابنا فالثلث للبنت والثلثان للابن، فإذا كان الثلث لبنت واحدة كان الثلثان للبنتين، ولأنه تعالى قال في ءاخر السورة في الأختين: {فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك} [النساء: 176] والبنتان أمس رحما من الأختين فأوجبوا لهما ما أوجب الله للأختين ولم ينقصوا حظهما عن حظ من هو أبعد منهما. {ولأبويه} للميت، والمراد الأب والأم إلا أنه غلب الذكر {لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد} هو يقع على الذكر والأنثى([1]) {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث} مما ترك، والمعنى: وورثه أبواه فحسب، لأنه إذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين كان للأم ثلث ما يبقى بعد إخراج نصيب الزوج لا ثلث ما ترك، لأن الأب أقوى من الأم في الإرث بدليل أن له ضعف حظها إذا خلصا فلو ضرب لها الثلث كاملا لأدى إلى حط نصيبه عن نصيبها، فإن امرأة تركت زوجا وأبوين فصار للزوج النصف وللأم الثلث والباقي للأب حازت الأم سهمين والأب سهما واحدا، فينقلب الحكم إلى أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين([2]) {فإن كان له} للميت {إخوة فلأمه السدس} إذا كان لميت اثنان من الإخوة والأخوات فصاعدا فلأمه السدس، والأخ الواحد لا يحجب([3])، والأعيان والعلات والأخياف([4]) في حجب الأم سواء {من بعد وصية} قسمة هذه الأنصباء من بعد وصية {يوصي بها} الميت {أو دين} الدين مقدم على الوصية في الشرع وقدمت الوصية على الدين في التلاوة، فكان التقدير: من بعد أحد هذين الشيئين الوصية أو الدين {ءاباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا} فرض الله الفرائض على ما هو عنده حكمة، ولو وكل ذلك إيكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم فوضعتم أنتم الأموال على غير حكمة، والتفاوت في السهام بتفاوت المنافع، وأنتم لا تدرون تفاوتها، فتولى الله ذلك فضلا منه ولم يكلها إلى اجتهادكم لعجزكم عن معرفة المقادير {فريضة} فرض ذلك فرضا {من الله إن الله كان عليما حكيما} بالأشياء قبل خلقها {حكيما} في كل ما فرض وقسم من الـمواريث وغيرها.
- {ولكم نصف ما ترك أزواجكم} أي زوجاتكم {إن لم يكن لهن ولد} ابن أو بنت {فإن كان لهن ولد} منكم أو من غيركم {فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين} والواحدة والجماعة سواء في الربع والثمن([5])، جعل ميراث الزوج ضعف ميراث الزوجة لدلالة قوله: {للذكر مثل حظ الأنثيين} {وإن كان رجل} يعني الـميت {يورث} منه {كلالة} أي وإن كان رجل موروث منه كلالة، والكلالة تطلق على م، لم يخلف ولدا ولا والدا {أو امرأة} [تورث كلالة] {وله أخ أو أخت} أي لأم [وعلى هذا إجماع الصحابة والعلماء] {فلكل واحد منهما السدس} [من الأخ أو الأخت من الأم السدس، لا يفضل ذكرهم على أنثاهم] {فإن كانوا أكثر من ذلك} من واحد [أو واحدة([6])] {فهم شركاء في الثلث} لأنهم يستحقون بقرابة الأم، وهي لا ترث أكثر من الثلث، ولأن الشركة إن أطلقت تقتضي التسوية. لا يفضل الذكر منهم على الأنثى [بل يرثون الثلث بينهم بالسوية وليس للذكر مثل حظ الأنثيين] {من بعد وصية يوصى بها أو دين} إنما كررت الوصية لاختلاف الـموصين، فالأول الوالدان والأولاد، والثاني الزوجة والثالث الزوج، والرابع الكلالة {غير مضار} أي يوصي بها وهو غير مضار لورثته، وذلك بأن يوصي بزيادة على الثلث، أو لوارث([7]) {وصية من الله} يوصيكم بذلك وصية {والله عليم} بمن جار([8]) أو عدل في وصيته {حليم} على الجائر لا يعاجله بالعقوبة، وهذا وعيد.
- {تلك} إشارة إلى الأحكام التي ذكرت في باب اليتامى والوصايا والمواريث {حدود الله} سماها حدودا لأن الشرائع كالحدود المضروبة للمكلفين لا يجوز لهم أن يتجاوزوها {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم}.
- {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين} لهوانه عند الله، قال الكلبي: ومن يعص الله ورسوله بكفره بقسمة المواريث ويتعد حدوده استحلالا.
ثم خاطب الحكام فقال:
- {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم} أي الزنا لزيادتها في القبح على كثير من القبائح {فاستشهدوا عليهن} فاطلبوا الشهادة {أربعة منكم} من المؤمنين {فإن شهدوا} بالزنا {فأمسكوهن في البيوت} فاحبسوهن {حتى يتوفاهن الموت} أي ملائكة الموت، أو حتى يأخذهن المت ويستوفي أرواحهن {أو يجعل الله لهن سبيلا} غير هذه، لقوله عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني، خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا؛ البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة».
- {واللذان} يريد الزاني والزانية {يأتيانها منكم} أي الفاحشة {فآذوهما} بالتوبيخ والتعبير وقولوا لهما: أما استحييتما أما خفتما الله {فإن تابا} عن الفاحشة {وأصلحا} وغيرا الحال {فأعرضوا عنهما} فاقطعوا التوبيخ والمذمة {إن الله كان توابا رحيما} يقبل توبة التائب ويرحمه. قال الحسن: أول ما نزل من حد الزنا الأذى ثم الحبس ثم الجلد أو الرجم، فكان ترتيب النزول على خلاف ترتيب التلاوة، والحاصل أنهما إذا كانا محصنين فحدهما الرجم لا غير، وإذا كانا غير محصنين فحدهما الجلد لا غير، وإن كان أحدهما محصنا والآخر غير محصن فعلى المحصن منهما الرجم وعلى الآخر الجلد.
- {إنما التوبة} هي من تاب الله عليه إذا قبل توبته، أي إنما قبولها {على الله} وليس المراد به الوجوب، إذ لا يجب على الله شيء ولكنه تأكيد للوعد، يعني أنه يكون لا محالة {للذين يعملون السوء} الذنب لسوء عقابه {بجهالة} جاهلين سفهاء، لأن ارتكاب القبيح مما يدعو إليه السفه، وقيل: جهالته اختياره اللذة الفانية على الباقية، وقيل: لم يجهل أنه ذنب ولكنه جهل كنه عقوبته {ثم يتوبون من قريب} من زمان قريب، وهو ما قبل حضرة الموت، وعنه ﷺ: «إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر([9])» {فأولئك يتوب الله عليهم} إعلام بأن الغفران كائن لا محالة {وكان الله عليما} بعزمهم على التوبة {حكيما} حكم بكون الندم توبة.
- {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن} ولا توبة للذين يذنبون ويسوفون توبتهم إلى أن يزول حال التكليف بحضور أسباب الـموت ومعاينة ملك الـموت، فإن توبة هؤلاء غير مقبولة، لأنها حالة اضطرار لا حالة اختيار، وقبول التوبة لا وعد به إلا لمختار {ولا الذين} أي ليست التوبة للذين يعملون السيئات ولا للذين {يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما} أي هيأنا.
كان الرجل يرث امرأة مورثه بأن يلقي عليها ثوبه فيتزوجها بلا مهر فنزل:
- {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها} أي أن تأخذوهن على سبيل الإرث كا تحاز الـمواريث وهن كارهات لذلك، أو مكرهات كرها.
وكان الرجل إذا تزوج امرأة ولم تكن من حاجته حبسها مع سوء العشرة لتفتدي منه بمالها وتختلع فقيل: {ولا تعضلوهن} أي لا يحل لكم أن ترثوا النساء ولا أن تعضلوهن. والعضل: الحبس والتضييق {لتذهبوا ببعض ما ءاتيتموهن} من الـمهر {إلا أن يأتين بفاحشة} هي النشوز وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء([10])، وعن الحسن: الفاحشة الزنا {مبينة} كأنه قيل: ولا تعضلوهن في جميع الأوقات إلا وقت أن يأتين بفاحشة، أو ولا تعضلوهن لعلة من العلل إلا لأن يأتين بفاحشة، وكانوا يسيئون معاشرة النساء فقيل لهم: {وعاشروهن بالمعروف} وهو النصفة([11]) في الـمبيت والنفقة والإجمال([12]) في القول {فإن كرهتموهن} لقبحهن أو سوء خلقهن {فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه} في ذلك الشيء {خيرا كثيرا} ثوابا جزيلا أو ولدا صالحا، والمعنى: فإن كرهتموهن فلا تفارقوهن لكراهة الأنفس وحدها، فربما كرهت النفس ما هو أصلح في الدين وأدنى إلى الخير، وأحبت ما هو بضد ذلك، ولكن للنظر في أسباب الصلاح.
وكان الرجل إذا رأى امرأة فأعجبته بهت التي تحته([13]) ورماها بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها فقيل:
{وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} تطليق امرأة وتزوج أخرى {وءاتيتم إحداهن} وأعطيتم إحدى الزوجات {قنطارا} مالا عظيما {فلا تأخذوا منه} من القنطار {شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا} أي بينا، والبهتان أن تستقبل الرجل بأمر قبيح تقذفه به وهو بريء منه لأنه يبهت عند ذلك أي يتحير.
([1]) أي: إن ترك الميت ولدا ذكرا أو أنثى أو أكثر فلأمه سدس ماله ولأبيه أيضا سدس فرضا.
([2]) وهذا خلاف المقصود، وخلاف قوله تعالى: {فلأمه الثلث} أي ولأبيه الباقي، لذلك كان لها إذا كانت مع الأب وأحد الزوجين ثلث الباقي بعد نصيب الزوج أو الزوجة وكان للأب الباقي بعدها وهو ضعف ما لها.
([3]) أي: لا ينقصها من الثلث إلى السدس، إلا إذا كان الإخوة اثنين فصاعدا فتنزل إلى السدس.
([4]) الأعيان: الإخوة من أب وأم، والعلات: أبناء الرجل من نساء عدة، والأخياف: أبناء الأم من رجال شتى.
([5]) أي: الربع أو الثمن نصيب الزوجة الواحدة إن انفردت ونصيبهن إن تعددن من اثنتين إلى أربع فيقتسمن هذا النصيب بينهن.
([6]) أي: الاثنان فأكثر من الإخوة لأم ذكورا كانوا أو إناثا أو مختلطين.
([7]) فإنه لا وصية لوارث، ولا وصية لغيره بزيادة على الثلث.
([9]) أي: ما لم تصل الروح إلى موضع الغرغرة من الحلقوم.
([10]) البذاء: الفحش: وفلان بذي اللسان والمرأة بذية.
- تفسير سورة النساء من الآية أحد عشر إلى عشرين
