تفسير سورة النحل من الآية واحد إلى عشرة
تفسير سورة النحل من الآية واحد إلى عشرة
أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون (1) ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون (2) خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون (3) خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين (4) والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون (5) ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون (6) وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم (7) والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون (8) وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين (9) هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (10)
كانوا يستعجلون ما وعدوا من قيام الساعة ونزول العذاب بهم يوم بدر استهزاء وتكذيبا بالوعد فقيل لهم:
- {أتى أمر الله} أي هو بمنزلة الآتي الواقع وإن كان منتظرا لقرب وقوعه {فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون} تبرأ جل وعز عن أن يكون له شريك وعن إشراكهم.
- {ينزل الملائكة بالروح} بالوحي أو بالقرءان [فإنه] يحيي القلوب الميتة بالجهل {من أمره} [بأمره] {على من يشاء من عباده} [يختاره للرسالة] {أن أنذروا} [بأن أنذروا] {أنه لا إله إلا أنا} أعلموا الناس قولي لا إلٰه إلا أنا {فاتقون} [أي أن الله ينزل على أنبيائه ويوحي إليهم ويأمرهم أن خوفوا عبادي عذابي وغضبي على شركهم بي].
ثم دل على وحدانيته وأنه لا إله إلا هو بما ذكر مما لا يقدر عليه غيره من خلق السماوات والأرض، وهو قوله:
- {خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون} وخلق الإنسان وما يكون منه وهو قوله:
- {خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين} فإذا هو منطيق مجادل عن نفسه، مكافح لخصومه بعدما كان نطفة لا حس له ولا حركة.
- {والأنعام خلقها لكم} هي الأزواج الثمانية([1])، وأكثر ما يقع على الإبل، أي خلق الإنسان والأنعام، ثم قال: {خلقها لكم}، أي ما خلقها إلا لكم يا جنس الإنسان {فيها دفء} هو اسم ما يدفأ به من لباس معمول من صوف أو وبر أو شعر {ومنافع} هي نسلها ودرها {ومنها تأكلون} [خص الأكل بالذكر] لأن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في معايشهم.
- {ولكم فيها جمال} [زينة] {حين تريحون} تردونها من مراعيها إلى مراحها([2]) بالعشي {وحين تسرحون} ترسلونها بالغداة إلى مسارحها([3])، من الله تعالى بالتجمل بها كما من بالانتفاع بها، لأنه من أغراض أصحاب المواشي، لأن الرعيان إذا روحوها بالعشي وسرحوها بالغداة تزينت بإراحتها وتسريحها الأفنية، وفرحت أربابها وأكسبتهم الجاه والحرمة عند الناس، وإنما قدمت الإراحة على التسريح لأن الجمال في الإراحة أظهر إذا أقبلت ملأى البطون حافلة الضروع.
- {وتحمل أثقالكم} أحمالكم {إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس} تحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه لو لم تخلق الإبل إلا بجهد ومشقة فضلا أن تحملوا أثقالكم على ظهوركم {إن ربكم لرؤوف رحيم} حيث رحمكم بخلق هذه الحوامل، وتيسير هذه المصالح.
- {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة} وخلق هذه للركوب والزينة {ويخلق ما لا تعلمون} [ما لم يره البشر ولم يسمعوا به]، ومن هذا وصفه يتعالى عن أن يشرك به غيره.
- {وعلى الله قصد السبيل} معناه أن هداية الطريق الموصل إلى الحق عليه، يفعل ذلك تفضلا {ومنها جائر} ومن السبيل [سبيل] مائل عن الاستقامة [وقد بيناه كما بينا الطريق المستقيم] {ولو شاء لهداكم أجمعين} أراد هداية اللطف بالتوفيق والإنعام بعد الهدى العام.
{هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب} [أي مطرا منه تشربون] {ومنه شجر} [ومنه ينبت] الشجر الذي ترعاه المواشي {فيه تسيمون} [ترعون مواشيكم، وهذا أيضا من ءاثار قدرته وأنواع نعمته].
([1]) هي الذكور والإناث من الضأن والـمعز والإبل والبقر.
