تفسير سورة النحل من الآية مئة وأحد عشر إلى مئة وعشرين
- تفسير سورة النحل من الآية مئة وأحد عشر إلى مئة وعشرين
يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون (111) وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون (112) ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون (113) فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون (114) إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم (115) ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (116) متاع قليل ولهم عذاب أليم (117) وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (118) ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (119) إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين (120) - {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها} يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته، لا يهمه شأن غيره، كل يقول: نفسي نفسي، ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها {وتوفى كل نفس ما عملت} تعطى جزاء عملها وافيا {وهم لا يظلمون} في ذلك.
- {وضرب الله مثلا قرية} جعل القرية التي هذه حالها مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا وتولوا([1])، فأنزل الله بهم نقمته، فيجوز أن يراد قرية مقدرة على هذه الصفة، وأن تكون في قرى الأولين قرية كانت هذه حالها فضربها الله مثلا لمكة إنذارا من مثل عاقبتها {كانت ءامنة} من القتل والسبي {مطمئنة} لا يزعجها خوف، لأن الطمأنينة مع الأمن، والانزعاج والقلق مع الخوف {يأتيها رزقها رغدا} واسعا {من كل مكان} من كل بلد {فكفرت بأنعم الله} [لأي كفر أهلها بنعم الله] {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} فأذاقهم ما غشيهم من الجوع والخوف [بصنيعهم].
- {ولقد جاءهم رسول منهم} أي محمد ﷺ [وهو من أجل النعم، لأنهم قد عرفوا مولده ومنشأه وهديه وأمانته، فيكون أقرب لم إلى تصديقه والاهتداء به، فلم يعرفوا حق هذه النعمة] {فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون} في حال التباسهم بالظلم، قالوا: إنه القتل بالسيف يوم بدر.
روي أن رسول الله ﷺ وجه إلى أهل مكة في سني القحط بطعام ففرق فيهم، فقال الله لهم بعد أن أذاقهم الجوع:
- {فكلوا مما رزقكم الله} على يدي محمد ﷺ {حلالا طيبا} بدلا عما كنتم تأكلونه حراما خبيثا من الأموال المأخوذة بالغارات والغصوب وخبائث الكسوب {واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون} تطيعون.
ثم عدد عليهم محرمات الله ونهاهم عن تحريمهم وتحليلهم بأهوائهم فقال:
- {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم} أي الـمحرم هذه دون البحيرة وأخواتها، وباقي الآية قد مر تفسيره [في سورة البقرة آية 173].
- {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب} ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل والحرمة من غير استناد ذلك الوصف إلى الوحي {هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب} أي لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم ويجول في أفواهكم، لا لأجل حجة وبينة، ولكن قول ساذج([2]) ودعوى بلا برهان {إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} [لا يفوزون أبدا، نفى عنهم الفلاح ثم بينه بقوله]:
- {متاع قليل ولهم عذاب أليم} منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية منفعة قليلة، وعذابها عظيم.
- {وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل} في سورة الأنعام، يعني {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} الآية [الأنعام: 146] {وما ظلمناهم} بالتحريم {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} فحرنا عليهم عقوبة على معاصيهم.
- {ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة} عملوا السوء جاهلين غير متدبرين للعاقبة لغلبة الشهوة عليهم، ومرادهم لذة الهوى لا عصيان المولى {ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها} من بعد التوبة {لغفور} بتكفير ما كثروا قبل من الجرائم {رحيم} بتوثيق ما وثقوا بعد من العزائم.
- تفسير سورة النحل من الآية مئة وأحد عشر إلى مئة وعشرين
