تفسير سورة الملك من الآية واحد إلى الآية عشرة
سورة الملك
مكية وهي ثلاثون ءاية
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة الملك من الآية واحد إلى الآية عشرة
تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير (1) الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور (2) الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور (3) ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير (4) ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير (5) وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير (6) إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور (7) تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير (8) قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير (9) وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير (10)
- {تبارك} تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين {الذي بيده الملك} في تصرفه الـملك والاستيلاء على كل [مخلوق]، وهو مالك الملك([1]) يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء {وهو على كل شيء} من المقدورات {قدير} قادر على الكمال([2]).
- {الذي خلق الموت والحياة} خلق موتكم وحياتكم أيها الـمكلفون([3]) {ليبلوكم} ليمتحنكم بأمره ونهيه فيما بين الموت([4])، فيظهر منكم ما علم أنه يكون منكم، فيجازيكم على عملكم لا على علمه بكم {أيكم أحسن عملا} أي أخلصه وأصوبه، فالخالص أن يكون لوجه الله، والصواب أن يكون على السنة، والمراد أنه أعطاكم الحياة التي تقدرون بها على العمل وسلط عليكم الموت الذي هو داعيكم إلى اختيار العمل الحسن على القبيح فما وراءه إلا البعث والجزاء الذي لا بد منه. وقدم الموت على الحياة لأن أقوى الناس داعيا إلى العمل من نصب موته بين عينيه {وهو العزيز} الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل {الغفور} الستور الذي لا ييأس منه أهل الإساءة والزلل.
- {الذي خلق سبع سماوات طباقا} مطابقة بعضها فوق بعض [من غير مماسة]، والخطاب في: {ما ترى في خلق الرحمن} للرسول أو لكل مخاطب [وقيل {في خلق الرحمٰن} للدلالة على أنه] بباهر قدرته هو الذي يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب، {من تفاوت} من اختلاف واضطراب([5]) {فارجع البصر} رده إلى السماء حتى يصح عندك ما أخبرت به بالمعاينة فلا تبقى شبهة فيه {هل ترى من فطور} صدوع وشقوق، جمع فطر وهو الشق.
- {ثم ارجع البصر كرتين} كرر النظر مرتين، وقيل: لم يرد به الاقتصار على مرتين بل أراد به التكرير بكثرة، أي كرر نظرك ودققه هل ترى خللا أو عيبا {ينقلب} يرجع {إليك البصر خاسئا} ذليلا، أو بعيدا مما [تبحث عنه] {وهو حسير} كليل معي([6])، ولم ير فيها خللا.
- {ولقد زينا السماء الدنيا} القربى، أي: السماء الدنيا منكم {بمصابيح} بكواكب([7]) مضيئة كإضاءة الصبح، والمصابيح: السرج فسميت بها الكواكب، {وجعلناها رجوما للشياطين} لأعدائكم الذين يخرجونكم من النور إلى الظلمات، والرجوم جمع رجم وهو مصدر سمي به ما يرجم به، ومعنى كونها رجوما للشياطين أن ينفصل عنها شهاب قبس([8]) يؤخذ من نار فيقتل الجني أو يخبله([9]) {وأعتدنا لهم} للشياطين {عذاب السعير} في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا.
- {وللذين كفروا بربهم} ولكل من كفر بالله من الشياطين وغيرهم {عذاب جهنم} ليس الشياطين المرجومون مخصوصين بذلك {وبئس المصير} المرجع جهنم.
- {إذا ألقوا فيها} طرحوا في جهنم كما يطرح الحطب في النار العظيمة {سمعوا لها} لجهنم {شهيقا} صوتا منكرا كصوت الحمار، شبه حسيسها([10]) الـمنكر الفظيع بالشهيق {وهي تفور} [تتعالى و]تغلي بهم غليان الـمرجل([11]) بما فيه.
- {تكاد تميز} تتميز، يعني: تتقطع وتتفرق {من الغيظ} على الكفار، فجعلت كالمغتاظة عليهم استعارة لشدة غليانها بهم {كلما ألقي فيها فوج} جماعة من الكفار {سألهم خزنتها} مالك وأعوانه من الزبانية([12]) توبيخا لهم: {ألم يأتكم نذير} رسول يخوفكم من هذا العذاب.
- {قالوا بلى قد جاءنا نذير} اعتراف منهم بعدل الله وإقرار بأنه تعالى أزاح عللهم ببعثة الرسل وإنذارهم ما وقعوا فيه {فكذبنا} أي: فكذبناهم {وقلنا ما نزل الله من شيء} مما [يقول المنذرون المدعون للرسالة] من وعد ووعيد وغير ذلك {إن أنتم إلا في ضلال كبير} أي: قال الكفار للمنذرين: ما أنتم إلا في خطأ عظيم.
{وقالوا لو كنا نسمع} الإنذار سماع طالب الحق {أو نعقل} أي: نعقله عقل متأمل [لأدانا تأملنا إلى صدقه وصحة ما يدعو إليه وأنه لا يجوز خلافه] {ما كنا في أصحاب السعير} في جملة أهل النار، [ولكنهم كانوا يستمعون إليه استماع المعاند المكابر الذي لا يتفكر في صحة ما يسمع].
([1]) أي: الـملك المخلوق الذي يعطيه لبعض عباده من المؤمنين والكافرين، الـملك بهذا المعنى مخلوق، وأما الـملك الذي يفهم منه اسمه الـملك فهو صفة له أزلي أبدي، فإذا قيل: مالك الملك فالـملك هنا هو المخلوق، وأما إذا قلنا: سبحان ذ الـملك فهو الـملك الذي هو صفته تبارك وتعالى.
([2]) أي: أن قدرته تامة لا يتعذر عليه شيء ولا يخرج عن قدرته مقدور.
([3]) فهو خالق الأعيان والصفات.
([5]) أي: ليس في خلق الله من السماوات ومن غيرهن من سائر خلقه عيب في الخلق.
([6]) يقال طرف كليل: أي لم يحقق المنظور إليه، ومعي من العي أي الجهل، أي: لم ير شيئا من الخلل.
([7]) الكواكب يطلق على النجوم أيضا.
([8]) الشهاب في الأصل الشعلة من النار، وكذلك القبس وهو الشعلة، فشهاب قبس من إضافة الشيء إلى نفسه، والمعنى أنه ينفصل من النجم شعلة والنجم قار في مكانه كالشعلة (أو الشرر) ينفصل من النار والنار قارة في مكانها، لا أنهم يرجمون بالكوكب أنفسها.
([11]) أي: القدر الذي يسخن فيه الماء على النار.
([12]) الزبانية الذين يزبنون الناس، أي يدفعونهم، وزبانية جهنم يدفعون أهل النار إليها.
