تفسير سورة المطففين من الآية واحد إلى الآية سبعة عشر
سورة المطففين
مختلف [في كونها مكية أو مدنية، أو بعضها هكذا
وبعضها هكذا] وهي ست وثلاثون ءاية
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة المطففين من الآية واحد إلى الآية سبعة عشر
ويل للمطففين (1) الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون (2) وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون (3) ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون (4) ليوم عظيم (5) يوم يقوم الناس لرب العالمين (6) كلا إن كتاب الفجار لفي سجين (7) وما أدراك ما سجين (8) كتاب مرقوم (9) ويل يومئذ للمكذبين (10) الذين يكذبون بيوم الدين (11) وما يكذب به إلا كل معتد أثيم (12) إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (13) كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (14) كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (15) ثم إنهم لصالو الجحيم (16) ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون (17)
- 6- {ويل} [الشدة في العذاب] {للمطففين} للذين يبخسون([1]) حقوق الناس في الكيل والوزن {الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون} أي: إذا أخذوا بالكيل من الناس يأخذون حقوقهم وافية تامة {وإذا كالوهم أو وزنوهم} أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم {يخسرون} ينقصون {ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون(4) ليوم عظيم} يعني: يوم القيامة، وفيه إنكار [وتوبيخ] وتعجيب عظيم من حالهم في الاجتراء على التطفيف، كأنهم لا يخطرون ببالهم ولا يخمنون تخمينا أنهم مبعوثون ومحاسبون على مقدار الذرة، ولو ظنوا أنهم يبعثون ما نقصوا في الكيل والوزن {يوم يقوم الناس لرب العالمين} [يبعثون] لأمره وجزائه.
- 9- {كلا} ردع وتنبيه، أي: ردعهم عما كانوا عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، ونبههم على أنه مما يجب أن يتاب عنه ويندم عليه، ثم أتبعه وعيد الفجار على العموم فقال: {إن كتاب الفجار} صحائف أعمالهم، [والفجار: الكفار] {لفي سجين(7) وما أدراك ما سجين} سجين كتاب جامع، وهو ديوان الشر، دون الله فيه أعمال الشياطين والكفرة من الجن والإنس، وهو {كتاب مرقوم} مسطور بين الكتابة، أو معلم يعلم من رءاه أنه لا خير فيه، وسمي سجينا فعيلا من السجن وهو الحبس والتضييق لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم، [وقوله تعالى: {وما أدرأك ما سجين} تهويل له].
17- {ويل يومئذ} يوم يخرج الـمكتوب {للمكذبين(10) الذين يكذبون بيوم الدين} الجزاء والحساب {وما يكذب به} بذلك اليوم {إلا كل معتد} مجاوز للحد {أثيم} مكتسب للآثام {إذا تتلى عليه ءاياتنا} أي: القرءان {قال أساطير الأولين} أحاديث المتقدمين، وقال الزجاج: أساطير: أباطيل {كلا} ردع للمعتدي الأثيم عن هذا القول {بل} نفي لما قالوا، ويقف حفص على {بل} وقيفة {ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} غطاها كسبهم، أي: غلب على قلوبهم حتى غمرها ما كانوا يكسبون من المعاصي، وعن الحسن: الذنب بعد الذنب حتى يسود القلب([2]) {كلا} ردع عن الكسب الرائن على القلب {إنهم عن ربهم} عن رؤية ربهم {يومئذ لمحجوبون} لممنوعون، والحجب: الـمنع: قال الزجاج: في الآية دليل على أن المؤمنين يرون ربهم وإلا لا يكون التخصيص([3]) مفيدا. قال مالك بن أنس رحمه الله: لما حجب أعداءه فلم يروه، تجلى([4]) لأوليائه حتى رأوه {ثم إنهم لصالوا الجحيم} ثم بعد كونهم محجوبين عن ربهم لداخلو النار [فيصلون فيها، أي: فيشوون] {ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون} أي: هذا العذاب هو الذي كنتم تكذبون به في الدنيا وتنكرون وقوعه.
([1]) البخس: النقص، يقال: بخسه حقه يبخسه بخسا إذا نقصه.
([2]) ورد في الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكره الله تعالى {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}» أي: جعل في قلبه أثر قليل كالنقطة، كالوسخ على السيف، أو كنقطة الـمداد على القرطاس، وتختلف على حسب الـمعصية وقدرها. ونزع: ترك المعصية. وصقل قلبه: أي: جلي ونظف وصفا كالزجاج والسيف المصقول الأملس.
([3]) أي: تخصيص الكفار بالحجب.
([4]) تجلى معناه: أزال عنهم حجاب المنع، ليس معناه أن بين الله وبينهم ستارا، إنما معناه في الدنيا منعهم من رؤيته، والآن يزيل هذا المنع، ليس معناه هناك حائل حسي في الدنيا بين الخلق وبين الله، لأن هذا يقتضي أن الله جسم، والله تعالى منزه عن صفات الجسم.
