تفسير سورة المائدة من الآية واحد وستين إلى سبعين
- تفسير سورة المائدة من الآية واحد وستين إلى سبعين
وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون (61) وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون (62) لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون (63) وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين (64) ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم (65) ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون (66) يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين (67) قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين (68) إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (69) لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون (70)
ونزل في ناس من اليهود كانوا يدخلون على النبي ﷺ ويظهرون له الإيمان نفاقا:
- {وإذا جاؤوكم قالوا ءامنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به} دخلوا كافرين وخرجوا كافرين، أي قالوا ذلك وهذه حالهم {والله أعلم بما كانوا يكتمون} من النفاق.
- {وترى كثيرا منهم} من اليهود {يسارعون في الإثم} الكذب {والعدوان} الظلم {وأكلهم السحت} الحرام {لبئس ما كانوا يعملون} لبئس شيئا عملوه.
- {لولا} هلا، وهو تحضيض {ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون} هذا ذم للعلماء([1])، والأول للعامة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هي أشد ءاية في القرءان، حيث أنزل تارك النهي عن المنكر منزلة مرتكب المكر في الوعيد.
- {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان} روي أن اليهود لعنهم الله لـما كذبوا محمدا عليه الصلاة والسلام كف الله ما بسط عليهم من السعة، وكانوا من أكثر الناس مالا، فعند ذلك قال فنحاص: يد الله مغلولة، ورضي بقوله الآخرون فأشركوا فيه، وغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود، ولا يقصد المتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط حتى إنه يستعمل في ملك يعطي ويمنع بالإشارة من غير استعمال اليد([2])، ومن لم ينظر في علم البيان يتحير في تأويل أمثال هذه الآية، وقوله: {غلت أيديهم} دعاء عليهم بالبخل، ومن ثم كانوا أبخل خلق الله، وإنما ثنيت اليد في {بل يداه مبسوطتان} وهي مفردة في {يد الله مغلولة} ليكون رد قولهم وإنكاره أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه، فغاية ما يبذله السخي أن يعطيه بيديه {ينفق كيف يشاء} تأكيد للوصف بالسخاء، ودلالة على أنه لا ينفق إلا على مقتضى الحكمة {وليزيدن كثيرا منهم} من اليهود {ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا} يزدادون عند نزول القرءان لحسدهم تماديا في الجحود وكفرا بآيات الله {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} فكلامهم أبدا مختلف، وقلوبهم شتى([3])، لا يقع بينهم اتفاق ولا تعاضد. [فهم – أي اليهود – أبغض خلق الله إلى الناس] {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} [كلما جمعوا وأعدوا شتت الله جمعهم. وقيل: إن اليهود لما أفسدوا وخالفوا كتاب الله – التوراة – أرسل الله عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فأرسل عليهم بطرس الرومي، ثم أفسدوا فأرسل عليهم المجوس، ثم أفسدوا فبعث الله عليهم المسلمين، فكانوا كلما استقام أمرهم شتتهم الله، فكلما أوقدوا نارا أي أهاجوا شرا وأجمعوا أمرهم على حرب النبي ﷺ أطفأها الله وقهرهم ووهن أمرهم] {ويسعون في الأرض فسادا} ويجتهدون في دفع الإسلام ومحو ذكر النبي عليه الصلاة والسلام من كتبهم {والله لا يحب المفسدين}.
- {ولو أن أهل الكتاب ءامنوا} برسول الله عليه الصلاة والسلام وبما جاء به مع ما عددنا من سيئاتهم {واتقوا} وقرنوا إيمانهم بالتقوى {لكفرنا عنهم سيئاتهم} ولم نؤاخذهم بها {ولأدخلناهم جنات النعيم} مع المسلمين.
- {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل} أقاموا أحكامهما وحدودهما وما فيهما من نعت رسول الله ﷺ {وما أنزل إليهم من ربهم} من سائر كتب الله، لأنهم مكلفون الإيمان بجميعها، فكأنها أنزلت إليهم، وقيل: هو القرءان {لأكلوا من فوقهم} يعني الثمار من فوق رؤوسهم {ومن تحت أرجلهم} يعني الزروع، وهذه عبارة عن التوسعة، كقولهم: فلان في النعمة من قرنه([4]) إلى قدمه. ودلت الآية على أن العمل بطاعة الله تعالى سبب لسعة الرزق، وهو كقوله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا(2) ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 2، 3] {منهم أمة مقتصدة} [الاقتصاد: الاعتدال في القول والعمل من غير غلو ولا تقصير]، وقيل: هم الطائفة المؤمنة وهم عبد الله بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعون من النصارى {وكثير منهم ساء ما يعملون} وكثير منهم ما أسوأ عملهم، وهم كعب بن الأشرف وأصحابه وغيرهم.
- {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} غير خائف أن ينالك مكروه {وإن لم تفعل} وإن لم تبلغ جميع كما أمرتك {فما بلغت رسالته} فلم تبلغ إذا ما كلفت من أداء الرسالة وذلك أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض، فإذا لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعا {والله يعصمك من الناس} يحفظك منهم قتلا فلم يقدر عليه، وإن شج في وجهه يوم أحد وكسرت رباعيته، أو نزلت بعدما أصابه ما أصابه. و{الناس}: الكفار بدليل قوله: {إن الله لا يهدي القوم الكافرين} لا يمكنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك.
- {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء} على دين يعتد به حتى يسمى شيئا لبطلانه {حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم} يعني القرءان {وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا} إضافة زيادة الكفر والطغيان إلى القرءان بطريق التسبيب [لكفرهم به] {فلا تأس على القوم الكافرين} فلا تتأسف عليهم، فإن ضرر ذلك يعود إليهم لا إليك.
- {إن الذين ءامنوا} بألسنتهم وهم المنافقون {والذين هادوا والصابؤون([5]) والنصارى} ارتفع الصابئون بالابتداء وخبره محذوف، كأنه قيل: إن الذين ءامنوا [بألسنتهم] والذين هادوا والنصارى {من ءامن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} والصابئون كذلك، أي من ءامن [من كل هؤلاء]([6]) بالله واليوم الآخر فلا خوف عليهم فقدم وحذف الخبر، وفائدة التقديم التنبيه على أن الصابئين – وهم أبين هؤلاء المعدودين ضلالا وأشدهم غيا – يتاب عليهم إن صح منهم الإيمان، فما الظن بغيرهم.
{لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل} بالتوحيد {وأرسلنا إليهم رسلا} ليقفوهم على ما يأتون وما يذرون في دينهم {كلما جاءهم رسول} منهم {بما لا تهوى أنفسهم} بما يخالف هواهم ويضاد شهواتهم من مشاق التكليف والعمل بالشرائع {فريقا كذبوا وفريقا يقتلون} قيل: التكذيب مشترك بين اليهود والنصارى، والقتل مختص باليهود، فهم قتلوا زكريا ويحيـى.
([2]) هذا رد على المشبهة الذين يحتجون لإثبات الجارحة لله بهذه الآية، إذ معتقد أهل الحق أن الله سبحانه وتعالى ليس بجسم ولا جارحة له ولا يشبهه شيء من خلقه ولا يكيف ولا يتحيز ولا تحله الحوادث، وهذا مقرر في علم أصول الدين، والجمهور على أن هذا استعارة عن جوده وإنعامه السابغ.
([4]) القرن: الجانب الأعلى من الرأس.
([5]) العرب تسمي كل من خرج من دين كان عليه إلى غيره صابئا، ثم قيل هم عبدة الكواكب، وقيل هم قوم لا هم نصارى ولا يهود ولا دين لهم، وقيل قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى القبلة ويقرؤون الزبور، وقيل هم إلى النصارى أقرب، وقيل غير ذلك.
- تفسير سورة المائدة من الآية واحد وستين إلى سبعين
