تفسير سورة المائدة من الآية واحد وتسعين إلى مئة
- تفسير سورة المائدة من الآية واحد وتسعين إلى مئة
إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون (91) وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين (92) ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين (93) يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (94) يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام (95) أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون (96) جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم (97) اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم (98) ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (99) قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون (100) - {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة} ذكر ما يتولد منهما من الوبال وهو وقوع التعادي والتباغض بين أصحاب الخمر والقمار وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله وعن مراعاة أوقات الصلاة، وخص الصلاة من بين الذكر لزيادة درجتها {فهل أنتم منتهون} من أبلغ ما ينهى به، كأنه قيل: أم أنتم كأن لم توعظوا ولم تزجروا.
- {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا} وكونوا حذرين خاشعين، لأنهم إذا حذروا دعاهم الحذر إلى اتقاء كل سيئة وعمل كل حسنة {فإن توليتم} عن ذلك {فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين} فاعلموا أنكم لم تضروا بتوليكم الرسول، لأنه ما كلف إلا البلاغ المبين بالآيات، وإنما ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كلفتموه.
ونزل فيمن تعاطى شيئا من الخمر والميسر قبل التحريم:
- {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} أي شربوا من الخمر وأكلوا من مال القمار قبل [نزول] تحريمهما {إذا ما اتقوا} الشرك {وءامنوا} بالله {وعملوا الصالحات} بعد الإيمان {ثم اتقوا} الخمر والميسر بعد التحريم {وءامنوا} بتحريمهما {ثم اتقوا} سائر المحرمات {وأحسنوا} إلى الناس {والله يحب المحسنين}.
لما ابتلاهم الله بالصيد عام الحديبية وهم محرمون، وكثر عندهم حتى كان يغشاهم في رحالهم فيستمكنون من صيده أخذا بأيديهم وطعنا برماحهم، نزل:
- {يا أيها الذين ءامنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم} ومعنى يبلو: يختبر، وهو من الله لإظهار ما علم من العبد على ما علم لا لعلم ما لم يعلم، و{من} للتبعيض إذ لا يحرم كل صيد {ليعلم الله من يخافه بالغيب} [ليتميز الخائف من عقابه – وهو غائب منتظر – لقوة إيمانه ممن لا يخافه لضعف قلبه وقلة إيمانه، فذكر العلم وأراد وقوع المعلوم وظهوره إذ قد علم الله تعالى ذلك في الأزل] {فمن اعتدى} فصاد {بعد ذلك} الابتلاء {فله عذاب أليم}، قلل في قوله: {بشيء من الصيد} ليعلم أنه ليس من الفتن العظام.
- {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد} الـمصيد {وأنتم حرم} محرمون {ومن قتله منكم متعمدا} ذاكرا لإحرامه، أو عالـما أن ما يقتله مما يحرم قتله عليه، فإن قتله ناسيا لإحرامه، أو رمى صيدا وهو يظن أنه ليس بصيد فهو مخطئ {فجزاء مثل ما قتل من النعم} فعليه جزاء يماثل ما قتل من الصيد وهو قيمة الصيد يقوم حيث صيد، فإن بلغت قيمته ثمن هدي خير بين أن يهدي من النعم ما قيمته قيمة الصيد وبين أن يشتري بقيمته طعاما فيعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعا من غيره، وإن شاء صام عن طعام كل مسكين يوما. وعند محمد والشافعي رحمهما الله تعالى: مثله نظير من النعم {يحكم به} بمثل ما قتل {ذوا عدل منكم} حكمان عادلان من المسلمين {هديا} يحكم به في حال الهدي {بالغ الكعبة} معنى بلوغه الكعبة أن يذبح بالحرم، فأما التصدق به فحيث شئت، وعند الشافعي رحمه الله في الحرم {أو كفارة طعام مساكين} أي هي طعام [مساكين] {أو عدل ذلك} إشارة إلى الطعام {صياما ليذوق وبال أمره} فعليه أن يجازي أو يكفر ليذوق سوء عقاب عاقبة هتكه لحرمة الإحرام، والوبال: المكروه والضرر الذي يناله في العاقبة من عمل سوء لثقله عليه {عفا الله عما سلف} لكم من الصيد قبل التحريم {ومن عاد} إلى قتل الصيد بعد التحريم {فينتقم الله منه} بالجزاء {والله عزيز} بإلزام الأحكام {ذو انتقام} لمن جاوز حدود الإسلام.
- {أحل لكم صيد البحر} مصيدات البحر مما يؤكل ومما لا يؤكل {وطعامه} وما يطعم من صيده، والمعنى: أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر، وأحل لكم أكل المأكول منه وهو السمك وحده([1]) {متاعا لكم} أحل لكم تمتيعا لكم {وللسيارة} وللمسافرين {وحرم عليكم صيد البر} ما صيد فيه وهو ما يفرخ فيه، وإن كان يعيش في الماء في بعض الأوقات، كالبط فإنه بري، لأنه يتولد في البر، والبحر له مرعى {ما دمتم حرما} محرمين {واتقوا الله} في الاصطياد في الحرم أو في الإحرام {الذي إليه تحشرون} تبعثون فيجيزكم على أعمالكم.
- {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس} انتعاشا لهم في أمر دينهم ونهوضا إلى أغراضهم في معاشهم ومعادهم، لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم وأنواع منافعهم {والشهر الحرام} والشهر الذي يؤدى فيه الحج، وهو ذو الحجة لأن في اختصاصه من بين الأشهر بإقامة موسم الحج فيه شأنا قد علمه الله {والهدي} ما يهدى إلى مكة {والقلائد} والـمقلد منه خصوصا وهو البدن، فالثواب فيه أكثر، وبهاء الحج معه أظهر {ذلك} إشارة إلى جعل الكعبة قياما {لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم} أي لتعلموا أن الله يعلم مصالح ما في السمٰوات وما في الأرض، وكيف لا يعلم وهو بكل شيء عليم.
- {اعلموا أن الله شديد العقاب} لمن استخف بالحرم والإحرام {وأن الله غفور} لآثام من عظم المشاعر العظام {رحيم} بالجاني الملتجئ إلى البلد الحرام.
- {ما على الرسول إلا البلاغ} تشديد في إيجاب القيام بما أمر به، وأن الرسول قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ، وقامت عليكم الحجة ولزمتكم الطاعة، فلا عذر لكم في التفريط {والله يعلم ما تبدون وما تكتمون} فلا يخفى عليه نفاقكم ووفاقكم.
{قل لا يستوي الخبيث والطيب} لما أخبر أنه يعلم ما يبدون وما يكتمون، ذكر أنه لا يستوي خبيثهم وطيبهم، بل يميز بينهما، فيعاقب الخبيث أي الكافر، ويثيب الطيب أي المسلم {ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله} وءاثروا الطيب وإن قل على الخبيث وإن كثر {يا أولي الألباب} أي العقول الخالصة {لعلكم تفلحون}.
- تفسير سورة المائدة من الآية واحد وتسعين إلى مئة
