تفسير سورة المائدة من الآية واحد إلى عشرة
تفسير سورة المائدة من الآية واحد إلى عشرة
يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد (1) يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب (2) حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم (3) يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب (4) اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين (5) يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (6) واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور (7) يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (8) وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم (9) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (10)- {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} وهي عقود الله التي عقدها على عباده وألزمها إياهم من مواجب التكليف، أو ما تعاقدتم بينكم، والظاهر أنها عقود الله عليهم في دينهم من تحليل حلاله وتحريم حرامه، وأنه كلام قدم مجملا ثم عقب بالتفصيل {أحلت لكم بهيمة الأنعام} وهي الأزواج الثمانية([1])، وقيل: الظباء وبقر الوحش ونحوهما {إلا ما يتلى عليكم} ءاية تحريمه وهو قوله: {حرمت عليكم الميتة} الآية {غير محلي الصيد} أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الصيد {وأنتم حرم} أحللنا لكم بعض الأنعام في حال امتناعكم من الصيد وأنتم محمون لئلا يضيق عليكم {إن الله يحكم ما يريد} من الأحكام أو من التحليل والتحريم.
ونزل نهيا عن تحليل ما حرم:
- {يا أيها الذين ءامنوا لا تحلوا شعائر الله} جمع شعيرة، وهي ما جعل شعارا وعلما للنسك به من مواقف الحج ومرامي الجمار والـمطاف والـمسعى والأفعال التي هي علامات الحاج يعرف بها من الإحرام والطواف والسعي والحلق والنحر [أي لا تستحلوا شيئا من ترك المناسك([2])] {ولا الشهر الحرام} [هو اسم جنس فيقع على] أشهر الحج {ولا الهدي} وهو ما أهدي إلى البيت وتقرب به إلى الله تعالى من النسائك([3]) وهو جمع هدية {ولا القلائد} جمع قلادة وهي ما قلد به الهدي من نعل أو عروة مزادة([4]) أو لحاء شجر([5]) أو غيره [ليعرف أنها هدي للحرم فلا يتعرض لها ولا لأصحابها] {ولا ءامين البيت الحرام} ولا تحلوا قوما قاصدين المسجد الحرام، وهم الحجاج والعمار، وإحلال هذه الأشياء أن يتهاون بحرمة الشعائر، وأن يحال بينها وبين المتنسكين بها، وان يحدثوا في أشهر الحج ما يصدون به الناس عن الحج، وأن يتعرضوا للهدي بالغصب أو بالمنع من بلوغ محله، وأما القلائد فجاز أن يراد بها ذوات القلائد – وهي البدن – وتعطف على الهدي للاختصاص([6]) لأنها أشرف الهدى كقوله: {وجبريل وميكال}([7]) [البقرة: 98] {يبتغون فضلا من ربهم} ثوابا {ورضوانا} وأن يرضى عنهم، أي لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم، تعظيما لهم {وإذا حللتم} خرجتم من الإحرام {فاصطادوا} إباحة للاصطياد بعد جظره عليهم بقوله: {غير محلي الصيد وأنتم حرم} {ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا} ولا يكسبنكم بغض قوم لأن صدوكم الاعتداء ولا يحملنكم عليه. ومعنى صدهم إياهم عن المسجد الحرام منع أهل مكة رسول الله ﷺ والمؤمنين يوم الحديبة عن العمرة، ومعنى الاعتداء الانتقام منهم بإلحاق مكروه بهم {وتعاونوا على البر والتقوى} على العفو والإغضاء {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} على الانتقام والتشفي، ويجوز أن يراد العموم لكل بر وتقوى، ولكل إثم وعدوان {واتقوا الله إن الله شديد العقاب} لمن عصاه وما اتقاه.
ثم بين ما كان أهل الجاهلية يأكلونه فقال:
- {حرمت عليكم الميتة} البهيمة التي تموت حتف أنفها([8]) {والدم} المسفوح وهو السائل {ولحم الخنزير} وكله نجس، وإنما خص اللحم لأنه معظم المقصود {وما أهل لغير الله به} رفع الصوت به لغير الله، وهو قولهم: باسم اللات والعزى عند ذبحه {والمنخنقة} التي خنقوها حتى ماتت، أو انخنقت بالشبكة أو بغيرها {والموقوذة} التي أثخنوها ضربا بعصا أو حجر حتى ماتت {والمتردية} التي تردت من جبل أو في بئر فماتت {والنطيحة} التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح {وما أكل السبع} بعضه ومات بجرحه {إلا ما ذكيتم} إلا ما أدركتم ذكاته، والاستثناء يرجع إلى المنخنقة وما بعدها فإنه إذا أدركها وبها حياة([9]) فذبحها وسمى عليها حلت {وما ذبح على النصب} كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت يذبحون عليها يعظمونها بذلك ويتقربون إليها تسمى الأنصاب {وأن تستقسموا بالأزلام} أي حرمت عليكم الميتة وكذا وكذا والاستقسام بالأزلام، وهي القداح الـمعلمة واحدها: زلم، كان أحدهم إذا أراد سفرا أو غزوا أو تجارة أو نكاحا أو غير ذلك يعمد إلى قداح ثلاثة على واحد منها مكتوب «أمرني ربي» وعلى الآخر «نهائي» والثالث غفل([10])، فإن خرج الآمر مضى لحاجته، وإن خرج الناهي أمسك، وإن خرج الغفل أعاده، فمعنى الاستقسام بالأزلام طلب معرفة ما قسم له مما لم يقسم له بالأزلام {ذلكم فسق} الاستقسام بالأزلام خروج عن الطاعة، ويحتمل أن يعود إلى كل محرم في الآية {اليوم} لم يرد به يوم بعينه، وإنما معناه الآن {يئس الذين كفروا من دينكم} يئسوا منه أن يبطلوه {فلا تخشوهم} بعد إظهار الدين وزوال الخوف من الكفار وانقلابهم مغلوبين بعدما كانوا غالبين {واخشون} أخلصوا إلي الخشية {اليوم أكملت لكم دينكم} بأن كفيتكم خوف عدوكم وأظهرتكم عليهم، أو أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحلال والحرام والتوقيف على شرائع الإسلام وقوانين القياس {وأتممت عليكم نعمتي} بفتح مكة ودخولها ءامنين ظاهرين وهدم منار الجاهلية ومناسكهم {ورضيت لكم الإسلام دينا} اخترته لكم من بين الأديان وءاذنتكم بأنه هو الدين الـمرضي وحده. {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} [ءال عمران: 85] {فمن اضطر} متصل بذكر المحرمات، ومعناه فمن اضطر على الميتة أو إلى غيرها {في مخمصة} مجاعة {غير متجانف لإثم} مائل إلى إثم، أي غير متجاوز سد الرمق {فإن الله غفور} لا يؤاخذه بذلك {رحيم} بإباحة المحظور للمعذور.
- {يسألونك ماذا أحل لهم} من المطاعم، كأنهم حين تلي عليهم ما حرم عليهم من خبيثات المآكل سألوا عما أحل لهم منها فقال: {قل أحل لكم الطيبات} ما ليس بخبيث منها، أو هو كل ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس {وما علمتم} أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم {من الجوارح} الكواسب للصيد من سباع البهائم ولطير كالكلب والفهد والعقاب والصقر والبازي والشاهين {مكلبين} [معلمين إياها الصيد] والـمكلب: مؤدب الجوارح ومعلمها مشتق من الكلب، لأن التأديب في الكلاب أكثر، فاشتق من لفظه لكثرته في جنسه {تعلمونهن مما علمكم الله} من علم التكليب {فكلوا مما أمسكن عليكم} الإمساك على صاحبه ألا يأكل منه فإن أكل منه لم يؤكل إذا كان صيد كلب ونحوه([11])، فأما صيد البازي ونحوه فأكله لا يحرمه {واذكروا اسم الله عليه} سموا عليه عند إرساله {واتقوا الله} واحذروا مخالفة أمره في هذا كله {إن الله سريع الحساب} إنه محاسبكم على أفعالكم، ولا يلحقه فيه لبث.
- {اليوم} الآن {أحل لكم الطيبات} كرره تأكيدا للمنة {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} أي ذبائحهم، لأن سائر الأطعمة لا يختص حلها بالـملة {وطعامكم حل لهم} فلا جناح عليكم أن تطعموهم، لأنه لو كان حراما عليهم طعام المؤمنين لما ساغ لهم إطعامهم {والمحصنات من المؤمنات} هن الحرائر أو العفائف، وليس هذا بشرط لصحة النكاح بل هو للاستحباب، لأنه يصح نكاح الإماء من المسلمات ونكاح غير العفائف([12]) {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} هن الحرائر الكتابيات أو العفائف الكتابيات {إذا ءاتيتموهن أجورهن} أعطيتموهن مهورهن {محصنين غير مسافحين} متزوجين غير زانين {ولا متخذي أخدان} صدائق [مسرين بالزنا بهن]، والخدن يقع على الذكر والأنثى {ومن يكفر بالإيمان} بشرائع الإسلام وما أحل الله وحرم {فقد حبط} بطل {عمله وهو في الآخرة من الخاسرين}.
- {يا أيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة {وأيديكم إلى المرافق} «إلى» تفيد معنى الغاية مطلقا، فأما دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل، وقوله: {إلى المرافق} لا دليل فيه على أحد الأمرين فأخذ الجمهور بالاحتياط فحكموا بدخولها في الغسل، [والمرفق: ملتقى عظمي الساعد والعضد] {وامسحوا برؤوسكم} المراد إلصاق المسح بالرأس، وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح برأسه {وأرجلكم إلى الكعبين} [أي معهما، وهما العظمان الناتئان من كل رجل عند مفصل الساق والقدم] والمعنى: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم على التقديم والتأخير {وإن كنتم جنبا فاطهروا} فاغسلوا أبدانكم {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم} معناه: وجاء، حتى لا يلزم المريض والمسافر التيمم بلا حدث {من الغائط} كناية عن قضاء الحاجة {أو لامستم النساء} جامعتم([13]) {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا([14]) طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} في باب الطهارة حتى لا يرخص لكم في التيمم {ولكن يريد ليطهركم} بالتراب إذا أعوزكم([15]) التطهر بالماء {وليتم نعمته عليكم} وليتم برخصه إنعامه عليكم بعزائمه {لعلكم تشكرون} نعمته فيثيبكم.
- {واذكروا نعمة الله عليكم} بالإسلام {وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا} أي عاقدكم به عقدا وثيقا وهو الميثاق الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في حال اليسر والعسر والـمنشط([16]) والـمكره، فقبلوا وقالوا: سمعنا وأطعنا {واتقوا الله} في نقض الميثاق {إن الله عليم بذات الصدور} بسرائر الصدور من الخير والشر، وهو وعد ووعيد.
- {يا أيها الذين ءامنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط} بالعدل {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا} ولا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم {اعدلوا هو أقرب للتقوى} ثم صرح بالأمر بالعدل تأكيدا وتشديدا {واتقوا الله} فيما أمر ونهى {إن الله خبير بما تعملون} وعد ووعيد، ولذا ذكر بعدها ءاية الوعد وهو قوله تعالى:
- {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم} والوعيد وهو قوله:
([1]) يشير إلى ما ورد في سورة الأنعام من قوله تعالى: {ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين}، ثم قال: {ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين}.
([2]) وذلك لأن كثيرا من العرب كانوا لا يرون الصفا والمروءة من شعائر الله، والبعض كانوا لا يرون الوقوف بعرفات منها.
([3]) جمع نسيكة، وهي الذبيحة التي يتقرب بها إلى الله تعالى، والنسائك المتعبدات، ومنه قوله تعالى: {وأرنا مناسكنا} أي متعبداتنا.
([4]) العروة: الأذن أو الـمقبض، والـمزادة: قربة صغيرة يتزود فيها الماء.
([7]) بعدما ذكرت الملائكة ذكر الله جبريل وميكال لبيان أن لهما خاصية، هما من الملائكة لكن خصا بالذكر لبيان فضيلتهما من بين الملائكة.
([8]) أي: فجأة بلا ضرب ولا قتل.
([9]) أي: حياة مستقرة، ويعلم ذلك باضطرابها اضطراب المذبوح وتدفق الدم منها عند ذبحها.
([11]) كالفهد، وهذا عند الحنفية فهم يفرقون بين ما أكل منه الكلب ونحوه فلا يؤكل، وما أكلت منه الطيور الجارحة فيؤكل، وأما عند الشافعي فلا يؤكل مطلقا إن أكل منه طيرا كان أو كلبا ونحوه، ويؤكل عند مالك مطلقا إن أكل منه الجارح أو لم يأكل كلبا كان أو طيرا.
([13]) وعند الشافعية الجس باليد ولمس البشرة بأي عضو كان.
([14]) فسرها الشافعي بالتراب الطاهر الطهور، وفسر الأئمة الثلاثة الصعيد بوجه الأرض، ووجه الأرض يشمل التراب والحجر.
([15]) تقول: أعوزني هذا الأمر إذا اشتد عليك وعسر.
([16]) الـمنشط: هو الأمر الذي تنشط له وتؤثر فعله، وعكسه الـمكره.
