تفسير سورة المائدة من الآية مئة وأحد عشر إلى مئة وعشرين
- تفسير سورة المائدة من الآية مئة وأحد عشر إلى مئة وعشرين
وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون (111) إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين (112) قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين (113) قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين (114) قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين (115) وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب (116) ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد (117) إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (118) قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم (119) لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شىء قدير (120) - {وإذ أوحيت} ألهمت {إلى الحواريين} الخواص {أن ءامنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} أي اشهد بأننا مخلصون.
- {إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك} هل يفعل، أو هل يطيعك ربك إن سألته، فاستطاع وأطاع بمعنى، كاستجاب وأجاب [والمعنى: هل يستجيب لك ربك لو طلبت منه ذلك؟ أو هل تقدر أن تسأل ربك؟ على الإضمار، أو هل تستدعي إجابة ربك؟ ولم يكن هذا شكا منهم في قدرة عيسى على السؤال، أو شكا في قدرة الله تعالى على الإعطاء، ولكنه تلطف في السؤال والرجاء كقولك لآخر: أتستطيع أن تقضي حاجتي؟ أو: يستطيع فلان أن يقضي حاجتي بشفاعتك؟] {أن ينزل علينا مائدة من السماء} هي الخوان([1]) إذا كان عليه الطعام {قال اتقوا الله} في اقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات {إن كنتم مؤمنين} إذ الإيمان يوجب التقوى.
- {قالوا نريد أن نأكل منها} تبركا {وتطمئن قلوبنا} ونزداد يقينا كقول إبراهيم عليه السلام: {ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] {ونعلم أن قد صدقتنا} أي نعلم صدقك عيانا كما علمناه استدلالا {ونكون عليها من الشاهدين} بما عاينا لمن بعدنا.
ولما كان السؤال لزيادة العلم لا للتعنت.
- {قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا} نداء ثان {أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا} العيد: السرور العائد، معناه: تكون لنا سرورا وفرحا {لأولنا وءاخرنا} يأكل منها ءاخر الناس كما يأكل أولهم {وءاية منك} على صحة نبوتي {وارزقنا وأنت خير الرازقين} وأعطنا ما سألناك وأنت خير الـمعطين.
- {قال الله إني منزلها عليكم} وعد الإنزال وشرط عليهم شرطا بقوله: {فمن يكفر بعد} بعد إنزالها {منكم فإني أعذبه عذابا} تعذيبا {لا أعذبه أحدا من العالمين} نزلت مائدة منكوسة تطير بها الملائكة، عليها كل طعام إلا اللحم، وقيل: كانوا يجدون عليها ما شاؤوا، وقيل: كانت تنزل حيث كانوا بكرة وعشيا([2]).
- {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} الجمهور على أن هذا السؤال يكون في يوم القيامة، [وليس هذا السؤال سؤال استخبار واستفهام، لأن الله سبحانه وتعالى يعلم أنه لم يقل لهم ذلك، ولكنه سؤال توبيخ وتبكيت وتخويف لمن ادعى أن عيسى عليه السلام هو الذي أمرهم بذلك] {قال سبحانك} من أن يكون لك شريك {ما يكون لي} ما ينبغي لي {أن أقول ما ليس لي بحق} أن أقول قولا لا يحق لي أن أقوله {إن كنت قلته فقد علمته} ولو قلته لعلمته لأنك {تعلم ما في نفسي} ذاتي {ولا أعلم ما في نفسك} ذاتك، والمعنى: تعلم معلومي ولا أعلم معلومك {إنك أنت علام الغيوب} لأن ما يعلم علام الغيوب لا ينتهي إليه علم أحد.
- {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به} ما أمرتهم إلا بما أمرتني به، ثم فسر ما أمر به فقال: {أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا} رقيبا {ما دمت فيهم} مدة كوني فيهم {فلما توفيتني} [فلما رفعتني إلى السماء([3])] {كنت أنت الرقيب عليهم} الحفيظ {وأنت على كل شيء شهيد} من قولي وفعلي وقولهم وفعلهم.
- {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} علم عيسى عليه السلام أن منهم من ءامن ومهم من أقام على الكفر، فقال: إن تعذب من كفر منهم فإنهم عبادك الذين علمتهم جاحدين لآياتك مكذبين لأنبيائك وأنت العادل في ذلك، فإنهم قد كفروا بعد وجوب الحجة عليهم، وإن تغفر لهم أي لمن أقلع منهم وءامن فذلك تفضل منك، وأنت عزيز لا يمتنع عليك ما تريد حكيم في ذلك.
- {قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} أي هذا يوم ينفع الصادقين فيه صدقهم {لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم} بالسعي المشكور {ورضوا عنه} بالجزاء الـموفور {ذلك الفوز العظيم} لأنه باق بخلاف الفوز في الدنيا فهو غير باق.
- {لله ملك السماوات والأرض وما فيهن} عظم نفسه عما قالت النصارى إن معه إلٰها ءاخر {وهو على كل شيء قدير} من الـمنع والإعطاء والإيجاد والإفناء، نسأل الله أن يوفقنا لمرضاته ويجعلنا من الفائزين بجناته وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحب وسلم.
([1]) الخوان: الشيء الذي يؤكل عليه، وهو معرب، فإن كان عليه طعام فهو مائدة.
([3]) قال القرطبي في تفسيره: قال الحسن: الوفاة في كتاب الله على ثلاثة أوجه، وفاة الموت وذلك كقوله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها} [الزمر: 42]، يعني وقت انقضاء أجلها، ووفاة النوم، قال الله تعالى: {وهو الذي يتوفاكم بالليل} الأنعام: 60]، يعني الذي ينيمكم ووفاة الرفع، قال الله تعالى: {يا عيسى إني متوفيك} [ءال عمران: 55].
- تفسير سورة المائدة من الآية مئة وأحد عشر إلى مئة وعشرين
